نافذتان لتقييم السياسة الزراعية: الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية 

16

 

يعتبر تحقيق الأمن الغذائي مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر التي يبلغ عدد المقيمين فيها من المصريين والأجانب وزائريها من السائحين على مدار العام الحالي حوالي 132 مليون نسمة، منهم 106.5 مليون مصري، و 9 ملايين أجنبي، ونصف مليون لاجئ، وحوالي 16 مليون سائح.

ويحتاج تحقيق الأمن الغذائي إلى تحقيق الأمن المائي أولا، في بلد يعيش تحت نصف متوسط خط الفقر المائي العالمي. كما يحتاج إلى إعطاء الأولوية لزراعة المحاصيل الغذائية الأساسية، بمقتضى معادلة ذكية، لتحقيق الحد الأقصى الممكن من إنتاجية الأرض والمياه وقوة العمل ورأس المال. ومع تغيير الحكومة، ومجيء وزير جديد للزراعة، ذي خلفية محاسبية مالية، فإن هذا الوزير يجب أن يتسلح بإستراتيجية واضحة الأولويات غير مشوشة ولا مضطربة، حتى لا تزيد الأمور سوءا في أشد قطاعات الإنتاج حساسية نظرا لعلاقته بالأمن الغذائي وتشغيل قوة العمل وملكية الأرض.

ومن الملاحظ أن مصر التي تعاني من نقص شديد في مياه الري تتوسع في زراعات معروفة بشراهتها للمياه مثل الموز والبرسيم والموالح. ومهما كان العائد التصديري الناتج عن هذه المحاصيل، فإن الخسارة الفادحة الناتجة عن الإفراط في استهلاك المياه في زراعتها، توجب إعادة النظر في التركيب المحصولي للأراضي الجديدة، التي تبلغ مساحتها حوالي 40% من الأراضي المزروعة في مصر، مقابل 60% من الأراضي القديمة في وادي نهر النيل ودلتاه، تتخصص أساسا في زراعة المحاصيل الغذائية الرئيسية.

ومن الواضح أن نمط الملكية في الأراضي الجديدة، يميل إلى تركيز الملكية في أيدي الشركات وكبار المستثمرين، خصوصا غير المصريين. هذا النمط يعكس نفسه بوضوح في التركيب المحصولي في الأراضي الجديدة. وطبقا للإحصاءات الرسمية فإن المحاصيل التصديرية تسيطر على التركيب المحصولي للأراضي المستصلحة الجديدة، بنسبة 20% للموالح و 15% للذرة، و 6.5% للقمح، وحوالي 5% للفراولة. وبإضافة محاصيل تصديرية أخرى مثل البطاطس والبصل والعنب والرمان والتمور والمانجو والطماطم والخضراوات، فإن المحاصيل التصديرية تستحوذ على النسبة الأعظم من الأراضي الجديدة.

ويعكس نمط تركيز الملكية في أيدي القلة والغرباء، ونمط أولوية زراعة المحاصيل التصديرية، التي تخدم مصالح المستثمرين، مثل الإفراط في زراعة البرسيم في مشروع توشكى التابع لشركة الظاهرة الإماراتية، خللا هيكليا في بنية الزراعة المصرية. وهو خلل يأخذ السياسة الزراعية إلى مسار بعيد جدا عن تحقيق هدف الأمن الغذائي بزراعة محاصيل العلف والتصدير على حساب المحاصيل الضرورية لغذاء البشر. كما أن نمط الملكية يسبب البعد عن تحقيق هدف العدالة الاجتماعية، بحرمان صغار ومتوسطي الملاك من المنافسة على ملكية الأراضي المستصلحة الجديدة، لعدم التكافؤ في المنافسة مع المستثمرين الخليجيين وشركاتهم.

ولا شك أن الحكومات خلال السنوات العشر الأخيرة نجحت في إضافة مساحة أراض زراعية ضخمة بكل المقاييس، وتوفير المياه اللازمة لإحيائها. بواسطة برامج وخطط ومشروعات استصلاح الصحراء لأكثر من 3.5 مليون فدان. من أهمها مشروع توشكي الخير بمساحة 1.1 مليون فدان، ومشروع الدلتا الجديدة العملاق بمساحة 2.2 مليون فدان، و مشروع تنمية شمال ووسط سيناء بمساحة 456 ألف فدان، وإعادة تأهيل مشروع تنمية الريف المصري بمساحة 1.5 مليون فدان، بالإضافة إلى المشروعات الأخرى في جنوب الصعيد والوادي الجديد بمساحة 650 ألف فدان.

كما قامت بتوفير احتياجاتها المائية من مصادر متعددة لتجاوز ما تعانيه البلاد من الشح المائي، بتوفير المياه من مصادر مختلفة عبر مشروعات المعالجة الثلاثية لمياه الصرف الزراعي. ومن أهمها محطة بحر البقر 5.6 مليون م3/يوميا، ومحطة المحسمة بطاقة 1.3مليون م3/يوميا، ومحطة الحمام بطاقة 7.5 مليون م3/يوميا، إضافة إلى تحلية مياه البحر، مع الاتجاه إلى ترشيد استخدام المياه عبر تطبيق نظم الري الحديثة. لكن كل هذه المشروعات تظل محدودة القيمة بالنسبة للمواطن إذا لم يحصل على نصيب عادل من العائد منها. ويكون هذا العائد في صورة زيادة في عرض السلع الزراعية للسوق المحلي، وزيادة فرص التشغيل للعمال، والقضاء على الاختناقات الموسمية في الأسعار، والحصول على نصيب عادل من الأرض المستصلحة، وتوسيع نطاق قدرة الزراعة على التكامل مع قطاعات الإنتاج الأخرى.

 

 

التعليقات متوقفه