إبراهيم نوار يكتب:الديمقراطية عندما تخطئ .. وعندما تسقط

43

تعيش الديمقراطية في مناخ سياسي صحي، وتفسد بفساد المناخ السياسي، فتخطئ. ولكن عندما تصل الأخطاء إلى مصادرة السياسة، بالقانون أو بالعنف، فإن الديمقراطية تسقط. هذا ما حدث في تجربة الحزب القومي الاشتراكي بقيادة هتلر في ثلاثينات القرن الماضي. وهذا ما حاول أن يفعله ترامب في فترة رئاسته الأولى، وما حاوله أو يحاوله غيره، مثل جائير بولسونارو رئيس البرازيل (2018- 2023)، وبنيامين نتنياهو في إسرائيل، وفيكتور أوربان في المجر وغيرهم. وفي التجارب التي نشهدها فإن سقوط الديمقراطية ينتهي إلى كارثة، سواء داخل حدود البلد المعني او البلدان المجاورة أو العالم ككل. وبسبب ذلك فإن هناك حالة من القلق تسيطر على العالم كله، باستثناء السلطات الحاكمة التي تحلم بسقوط الديمقراطية نهائيا وعودة أنظمة الحكم بالأمر الإلهي، التي يختارها الله في الدنيا ويكون هو المسئول عن حسابها في الآخرة!

وتسيطر حالة من الهلع على الفكر السياسي في الوقت الحاضر، خوفا من سقوط النظام العالمي الحالي خارج القواعد المتفق عليها بعد الحرب العالمية الثانية، وسقوط الديمقراطية إلى غير رجعة، وعودة عصر الظلام الذي يسيطر فيه “الحكام الأقوياء”، أي غير الخاضعين للمساءلة، الذين يستمدون قوة بقائهم من قدرات شيطانية، ويدعون أن وجودهم هو “اختيار رباني” وأن الناخبين ما هم إلا أدوات يسخرها الرب لحمايتهم و استمرار سلطتهم المطلقة. المقصود هنا هو الحكام الذين يأتون من خلال صناديق الانتخابات، الذين يتشدقون بالديمقراطية، وليس أولئك الذين يفتخرون بوراثة الحكم عن آبائهم وأجدادهم والمؤسسات التي يمثلونها، فهؤلاء لا ينامون الليل هلعا من الديمقراطية، ويتمنون أن تختفي إلى الأبد. ويعتقد البعض أن نتيجة انتخابات الرئاسة التي أتت بدونالد ترامب للرئاسة للمرة الثانية تدل على نهاية الديمقراطية الأمريكية، بل إنها تمثل أيضا نهاية النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. ونرى في هذا الاستنتاج مبالغة كبيرة، وتجاهلا قصير النظر لحقائق لا يجب أن تمر بدون دراستها، وأن الديمقراطية ما تزال النظام السياسي القادر على تصحيح نفسه بنفسه، إلا إذا تمكن الفساد من السياسة إلى حد إسقاطها بعد استخدامها في الوصول إلى السلطة، كما فعل هتلر ونجح، وكما حاول ترامب في المرة الأولى وفشل.

هذه الثقة في قدرة الديمقراطية على تصحيح نفسها بنفسها تقوم على أساسين، أولهما فكري وفلسفي، يتمثل في نهضة فكرية واسعة النطاق، تنتشر بقوة منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي، على التوازي مع ظهور وانتشار النزعة الانعزالية الشعبوية في العالم. هذه الظاهرة مبنية على رغبة “حكام” يريدون أن يكونوا فوق القانون وفوق المساءلة، وأن يكونوا هم مصدر القوانين والرقباء على أنفسهم. ومن الأدبيات السياسية المهمة التي أصدرها علماء وخبراء السياسة والاقتصاد على سبيل المثال: “أسطورة الزعيم القوي” لعالم السياسة البريطاني آرشي براون، و “عصر الرجل القوي” لكاتب العمود الشهير في صحيفة فايننشال تايمز جدعون راخمان، و “كيف تموت الديمقراطيات” لاثنين من علماء السياسة الأمريكيين هما ستيفن ليفيتسكي و دانيال زبلات. وهناك عرض شيق لتاريخ حكم “الرجل القوي” من موسوليني إلى الآن للمؤرخة الأمريكية روث بن غياث وغيرهم من علماء السياسة والاقتصاد. ونحن نضم الكوكبة الفائزة بجائزة نوبل في الاقتصاد هذا العام العلماء: دارون عاصم أوغلو وسايمون جونسون و جيمس روبنسون، إلى قائمة المفكرين الذين يسهمون بدور كبير في تشريح ظاهرة الحكم الفردي وبيان خطورته على أداء المؤسسات، ذلك أنهم في كتاباتهم أثبتوا من خلال التتبع التاريخي لأداء الأمم أن ازدهار الأمة ونموها يعتمد أول شئ على كفاءة مؤسسات الحكم والإدارة وليس على “الرجال الأقوياء” الذين يدعون لأنفسهم ما يمكن أن يكون أكثر من النبوة في العقائد الدينية. أما الأساس الثاني لقدرة الديمقراطية على تصحيح نفسها بنفسها فإنه يقوم على تتبع وقائع وتجارب فعلية، وهو ما يحتاج إلى مقال آخر.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy