دكتور محمد يوسف يكتب “جنون الهوسا علي منابع النيل”
بقلم دكتور محمد يوسف خبير فى اقتصاديات المياه والطاقة
“كان” فعل ماض ناقص، يدخل على الجملة الاسمية فيرفع المبتدأ ويسمى اسمه، وينصب الخبر ويسمى خبره….وهكذا كل من يدعي انه سيعود ما كان الي الحاضر انه فعل “ناقص” …تعلمنا في العلوم السياسية ان الاجراءات التي تتخذها الدول علي الساحة الدولية تريد من خلالها ان تكون لاعب فاعل لابد وان تمتلك ادوات ذات تاثير وبمنطق يقبله المجتمع الدولي وان السيادة لابد وان تكون دون اجتزاء من حقوق سيادة الدول الأخرى او ان تجور علي مبادئ ومفاهيم القانون الدولي …وبالتطبيق علي الدولة الاثيوبية التي لازالت تعيش علي انقاض امبراطوريتها علي ١٩٧٤ عندما اطاح العسكريون علي هيلا سلاسي وقد انتهي بالفعل عصر “كان” ماض… كان ملتزم بالحقوق التاريخية والجغرافية لسريان النيل الي مصبه الطبيعي ليغذى نهر النيل العظيم ليسرى في مجراه الي السودان ومصر.
ربما الحقائق تصيغ لنا رؤية اكثر وضوحا عما يجرى الان والمثار علي مدار ١٥ عاما حول سد النهضة الاثيوبي وكيف استغلت اثيوبيا فترة ثورة ٢٥ من يناير لتقرر بشكل منفرد شروعها في بناء هذا السد طامحه لاعادة امبراطويتها وتسيدها علي منطقة القرن الافريقي والعمل علي كونها دولة فاعله علي الساحه الافريقية في حل النزاعات الافريقية الافريقية بل ودولة قادرة علي تنفيذ خطتها الاقتصادية المعروفة “بخطة النمو والتحول” وإستعادة تواجدها على منفذ على البحر الأحمر خاصة انها دولة حبيسه بدون منفذ بحرى كما ان معدلات النمو الاقتصادي بطيئه ولا تغطي الاحتياجات لدولة اثنيه ذات عرقيات متنازعه يحكم فيها الاقلية العرقية كما تعاني من زيادة سكانية مضطردة حيث بلغ عدد السكان نحو ١٣٥ مليون نسمه علي اراضي شاسعه جافة رغم احتوائها علي احواض نهرية متعددة تعتمد علي قطاع الزراعة كمصدر دخل قومي وتقوم زراعتها علي النظام المطرى وليس النظام المروى الذى يعتمد على قنوات الرى وقامت بإستغلال احواضها النهرية في إقامة عدد كبير من السدود إلى وجود يبلغ حوالي 11 سدًا كبيرًا للطاقة الكهرومائية بغرض توليد الكهرباء والتي تفيض عن الإحتياجات الفعلية التي تحتاجها إثيوبيا الطامحه إلى تصدير الكهرباء إلى دول الجوار.
وعلى الجانب الأخر نجد أن السودان ومصر كدولتى مصب تأثرا بمشروع السد الاثيوبى “سد النهضة ” خاصة ما كان على الملاء والسمع من غرق أراضى شاسعة في السودان والإستعدادات المسبقة التي قامت بها مصر عندما قام الجانب الاثيوبى بفتح بوبات سد النهضة دون إخطار مسبق لدولتى المصب مما دحض تصريحات آبى أحمد وحكومته بان مشروع السد سيعود بالنفع على مصر والسودان وإن كانت تصريحات سياسية تداولت على مدار ال15 عاماً الماضية إلا ان الواقع الفعلى أوضح الأضرار التي تلاحق دولتى المصب جراء بناء سد لا يخضع للمعايير الدولية من حيث الأمان كما انه لايراعى الشفافية وتداول المعلومات مع شركائها مصر والسودان عند تشغيل السد.
كانت مصر والسودان قد بادرا بالتفاوض الثلاثي مع الجانب الإثيوبي خلال السنوات الماضية مع توقيع اتفاق المبادئ عام 2015 ، الذى لم يستغله الجانب الإثيوبي ليكون شريكاً حقيقياً مع دولتى المصب حتى تعم التنمية والاستقرار الإقليمي في منطقة الحوض كما يزعم انها دولة محورية تقوم على فض النزاعات في منطقة القرن الإفريقي بل أصبحت مفعول بها من قبل فاعليين دوليين أخرين يريدون تصدير الأزمات واللعب بإثيوبيا كدوميه يتم تحريكها للضغط على مصر والسودان لتمرير مصالحها في المنطقة على صعيدها الأفريقي والشرق أوسطى، ربما الحنكة السياسية والدور الفعال للدولة المصرية التي تعى تماما ما يحاك حولها من جميع الجهات الحدودية لتقليص دورها الإقليمى المؤثر على مدار تاريخها القديم والحديث واستخدام إثيوبيا كورقة ضغط لفرض إرادة تؤثر على القرارات المصرية في قضايا جوهرية في ملفات مثل ملف غزة وليبيا والسودان.
قامت مصر خلال السنوات الماضية بالعمل على محورين أولهما المحور الداخلي لتأمين مصادر المياه العذبة المصرية على الرغم من الحقائق المائية التي تشير إلى معاناة مصر من محدودية وفقر مائي حيث يبلغ ما يصل الى مصر من مياه النيل نحو 55.5 مليار م3 وفقاً للاتفاقية المبرمة بين مصر والسودان عام 1959 وهى الحصه الثابتة وسط متغيرات عديدة منها زيادة عدد السكان في مصر من وقت توقيع الاتفاقية من 25 مليون نسمة على 108 مليون نسمة ومع تضاعف أعداد السكان مع ثبات حصة مصر من المياه مما أدى الى قلة نصيب الفرد من المياه والتي تصل نحو 560م3 سنوياً وهى كمية أقل مما قرره الأمم المتحدة الا يقل نصيب الفرد من المياه على مستوى العالم عن 1000م3 سنوياً وهو يعد خط فقر مائي يعيش المصريين تحت هذا الخط من العام 2007 ولم تؤول الحكومة المصرية جهداً على مدار السنوات الماضية في الانعكاف على تطوير واستحداث نظم رى تساعد على تقليل الاستهلاك وبعد أزمة سد النهضة قامت الحكومة المصرية بصرف ملايين الجنيهات لإقامة مشروعات مائية تساعد على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والتي تصل قدرة هذه المشروعات على إعادة استخدام وضخ مياه تقدر بنحو 20 مليار م3 .
كما تقوم حالياً باستحداث أسلوب جديد في إدارة المياه “جيل 2” باستخدام التكنولوجيا الحديثة في رصد ومراقبة والإستشعار ن بعد للمجارى المائية على مستوى محافظات الجمهورية لضمان وصول المياه الشحيحه الى مستخدميها والوعى بين المواطنين على حسن استخدام المياه بمعدلات استهلاك رشيدة والعمل على إزالة كافة أنواع التعديات على مجرى النهر، كما تقوم مصر بدورها التاريخى والمستمر نحو التعاون مع دول حوض النيل في إقامة مشروعات تنموية بهذه الدول مما يكون رد قاطع على تصريحات الساسة الأثيوبيين أن مصر دولة لا تريد تنمية لدول الجوار وانها تريد أن تستغل وتستأثر بمنافع النيل لنفسها، وهى المغالطات التي تقوم بها اثيوبيا على المستوى الدبلوماسي وتثير جدلاً داخل أوساط الكتاب والمدونيين المصريين للرد عليها مؤكدين الحقوق المصرية التاريخية والجغرافية لنهر النيل .
اما على الصعيد الدبلوماسي المصري فأن الدولة المصرية تستخدام أدواتها وسياستها الناعمة في التعامل مع هذا الملف مرتكزة على نشر الحقائق الفنية في المحافل الدولية التي تقام داخل مصر مثل أسبوع القاهرة للمياه الذى يقام بشكل سنوي في القاهرة والذى يضم العملاء وخبراء المياه والمؤسسات والفاعليين في الشاأن المائى يتم مناقشة قضايا المياه والتغيرات المناخية على المستويين الاقليمى والدولى كذلك مشاركة مصر في المحافل الدولية على المستويين العربى والأفريقى والدولى، كما أتخذت مصر خطوات في تحويل أزمة سد النهضة بعد افشال إثيوبيا المفاوضات الثلاثية الى اثارتها كقضية تمس مقدرات الدولة المصرية وشعبها بتقديم حيث طرحت القضية في مجلس الأمن والأمم المتحدة، وطالبت باتفاق ملزم وقواعد تشغيل عادلة بناءً على اتفاقية 2015 .
ربما الناظر الى الحقائق الماضية يرى في بادئ الامر انها قضية فنية تعلق بالمياه ومشروع مائى لم يتم الاتفاق عليه مسبقاً وفقاً لمبادى القانون الدولى المنظم للأنهار “الإنذار المسبق” في بناء آى منشأ مائى للدول المتشاطئة على ذات النهر ولكن الحقيقة انها قضية سياسية بإمتياز بها العديد من الفاعليين الدوليين أغلب يعمل في الظل مستخدمين إثيوبيا وهوستها بالسيادة والتسيد واستعادة ما كان لها في الماضى وإقناعها لشعوبها ان “المياه طالما تجرى في ارضهم فهى من حقهم وحدهم” ، إلا اننا نجد على الجانب الاخر وهو الجانب المصرى والذى يعى جيداً هذه اللعبة ويتعامل بحرفية مع كافة الفاعلين والداخلين والمتدخليين في هذه القضية، استناداً لحقائق لا يمكن الشك فيها وهو وزن مصر الإقليمى والدولى صمودها المستمر في كافة في ترسيخ مبادئ السلم والآمن الدوليين وتوسطها كدولة محورية وتقاربها مع كافة الأطراف وتوزانها الدولى وإنحيازها في القضايا العادلة مما يعطى الثقل في التعامل مع آى قضية تمس الأمن القومى المصرى بحنكة سياسية ودبلوماسية وأيضاً فنياً وتقنياً.
أن التعامل مع مرضى الهوسا ونزاعات السلطوية التي انتهت منذ الفترة الشيوعية بشعاراتها القومية دون تماثل وتعاون مع مصالحها الوطنية والإقليمية التي تعود بالنفع لها ولغيرها والتي لم تنتهى في كثير من الدول النامية في افريقيا وغيرها أدى الى تأخرهم كثيراً في الفكر الحديث والتواكب مع الركب الدولى الذى يعمل على مرور مصالحها دون التصادم الذى ربما يصل الى صراع ينشا حروب فالعالم بعد الحرب العالمية الثانية وانتهاء الحروب البارده اصبح على وعى تام ان الحروب والصراعات لا ينتج عنها مكاسب دائمة في مقابل المنافع تكلفة وربما تكون مرتفعة للغاية والكل يعد سياستة على مبدء ” تكلفة الفرصة البديلة ” مما يحافظ على شعوبها ومقدراتها، ربما لو تعاملت إثيوبيا في قضية السد بعيداً عن الهوسا لربحت كثيراً وأصبحت دولة شريكة ونموذجاً للتعاون والتعامل في قضاياها وتستحق ما تطمح إليه دون جور على جيرانها فالعدل لمن يستحق والسلام لمن يستحق والسيادة لمن يحقق العدل والسلام .

التعليقات متوقفه