مثل النداهة فى الحكايات الشعبية المأثورة، وقصص حوريات البحر، التى تنادى فتيان وفتيات الوادى على ضفاف نهر النيل لكى ينصتوا إلى حكاياتها، شدتنى بقوة الأغنية الجديدة “دا حب ساعة” للمطربة “فيروز كراوية”، تأليف القاص والشاعر “محمد خير” وتلحين الموسيقار “زياد سحاب” وتوزيع رمز صبرى. قد يكون موطن الجذب والرشاقة والجمال فى الأغنية، يعود إلى جرأة معانيها، التى تخاطب مناخا مثقلا بثقافة الخوف والريبة من علاقات الحب عموما، ويميل فى كثير من الأحيان، إلى فرض معيار أخلاقى وحيد لمحاسبتها، يستسهل دائمًا إدانة المرأة وتحميلها كلفة خسائرها.
بجسارة تقتحم أغنية “دا حب ساعة” جدار الممنوع فى علاقات الحب بين الرجل والمرأة حينما ينطوى مضمون كلماتها، على شجاعة مواجهة بيئة لا تزال شديدة المحافظة والتخلف فى النظرة الدونية إلى العلاقات العاطفية، وإلى المرأة، لا سيما إذا كانت عاشقة، والتشكيك فى نواياها وملكاتها وقدراتها على امتلاك قرارها المستقل، وفى مدى رجاحة عقلها فى الحكم على الأشياء. وتأتى الأغنية فى قلب مناخ مثقل بثقافة الخوف والريبة والشك فى علاقات الحب، لكى تزعزع اليقين الثابت بأن الرجل هو من يبادر عادة بإنهاء العلاقة العاطقية، فتكون المفاجأة، أن السفير -كما أحب الموسيقار محمد عبد الوهاب أن يصف المطرب – الذى يحمل للجمهور تلك الكلمات وينطق بها، ويمضى بسلاسة نحو الترويج لهدفها، هو “المرأة “الطرف الذى ظل تاريخيا الأضعف فى تلك العلاقة، وأضحى هو الضحية، يحمل بشكل أكبر فى علاقات العشق والغرام، مظلومية الهجر والشكوى من الحرمان وفراق الأحبة.
تخاطب “فيروز كراوية” بشقاوة صوتها، وبحساسية شبابية جديدة تحفل بالصدق الشعورى جيلها حين تلفظ تلك المعادلة، وتعيد تشكيل واقع عجز فى كثير من الحالات عن إنصافها فى حالات الفشل، وتغافل عن تقديرها حتى فى لحظات النجاح. وحين تدرك المطربة – المرأة مدى هشاشة علاقة الحب القائمة وحقيقة تآكلها، لا تسعى لترميم أعطابها، وإبقائها حية خوفا من لوم الأهل، وخشية من ضغط مجتمعى، طالما حملها مسئولية الفشل، وتمسكا بسردية بائسة تردد “اللى نعرفه أحسن من اللى مانعرفوش”.
لم تنتظر المرأة – المطربة انتظارا عبثيا لمجهول يخلصها من تجربة عاطفية عابرة وقصيرة الأجل، لم تجلب لها السعادة. وربما استحضرت قول القائل إن الحب فى حقيقته موضوع عادى، ولم يكن أبدًا جوابًا لكل مفاجآت الحياة، لكنه مع ذلك قد يغدو أمرًا مفجعًا. وسعيًّا للتوازن العملى الذى يغلب على معظم العلاقات العاطفية لشباب اليوم، ورفضا للفجيعة، ولتجربة عاطفية قد تقود إلى التعلق المرضى بالآخر، وتفضى إلى خلل نفسى، تمسك المرأة – المطربة بيدها مصيرها وتنهى العلاقة، بخطاب شديد الوضوح بالغ العمق، يحفز على شجاعة مواجهة النفس، ويشتبك مع واقع دأب على التصالح مع إدامة الفشل الرابض فى علاقات عاطفية تنضح بالبؤس والتعاسة، ويضفى قدسية على الآم مبرحة، تكسر الروح وتمرض البدن، لا لشىء سوى الإذعان لوطأة المساءلة الاجتماعية، والخوف من لوم اللائمين، وقبل ذلك وبعده التجاهل التام للذات المحبة رجلا كان أم امرأة.
ذهبت المطربة – المرأة، دون خشية من كلفة قرارها، وبثقة بالنفس، لا تخلو من سخرية وخفة، ونزعة تمرد على أنماط عاطفية شائعة، ترنو إلى تحطيم سياقها التقليدى الحافل بالأحكام الأخلاقية الجاهزة للتقييم والإدانة، وصفًا لعلاقة هشة لا تملك بالنسبة لها عوامل تشى بإمكانية استمرارها فتغنى: يا ماشى بتشكى، وعامل إشاعة، على إيه بتبكى، دا كان حب ساعة، ورحنا لحالنا، دا كان شوق وجالنا، فى لحظة جنون، ولا لحقنا نعشق، ولا يحزنون، وبكرة يهون، وليه الفضايح، وسيرة اللى رايح، وقاعد تقاوح، على حب ساعة. ومالك واخدنى، حكاية ورواية، ومالك لازقلى، عاملنى هواية .. دا كان حب ساعة.
ولعل أجمل ما فى تلك الأغنية، بجانب الكلمات والأداء والموسيقى، أنها لم تخدعنا بدعوة إلى استمراء الألم الناجم عن الفراق، لكنها تبشرنا بالقدرة الإنسانية الفذة على تحديه والانتصار عليه ومواصلة الحياة، والبدء من جديد، فما أرقه من معنى وما أجمله من رسالة، لنمط غنائى جديد.

التعليقات متوقفه