رسالة بكين ..عماد فؤاد يكتب: الصين والعالم العربي.. شراكة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.. سياسة أخلاقية تصنع التنمية ولا تتدخل في شئون الآخرين

رسالة بكين:عماد فؤاد

31

في عالم تتزايد فيه النزاعات الدولية، وتتعاظم فيه محاولات فرض الإرادات السياسية بالقوة أو العقوبات أو التدخل في الشئون الداخلية للدول، تقدم الصين نموذجًا مختلفًا في إدارة علاقاتها الخارجية، نموذج يقوم على احترام سيادة الدول، وعدم السعي إلى تغيير الأنظمة السياسية، ورفض تصدير الأيديولوجيا، والاعتماد بدلًا من ذلك على التنمية الاقتصادية وخلق المصالح المشتركة بوصفهما الطريق الأقصر والأكثر استدامة لتحقيق الاستقرار.

هذه الفلسفة ليست مجرد شعارات دبلوماسية، بل سياسة عملية يمكن لمسها على الأرض، فالصين لا تشترط على شركائها تغيير نظمهم السياسية، ولا تتدخل في خياراتهم الداخلية، ولا تربط التعاون الاقتصادي بإملاءات سياسية أو أيديولوجية.

ومن خلال مبادرات كبرى، في مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، تطرح بكين تصورًا لعالم متعدد الأقطاب، يقوم على المنفعة المتبادلة والاحترام المتكافئ. من هذا المنطلق جاءت زيارة وفد من الإعلاميين العرب إلى الصين في العشر الأواخر من أبريل الماضي، بدعوة من دائرة الاتصال الخارجي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

ضم الوفد ممثلين عن عشر دول عربية هي: مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، المغرب، موريتانيا، فلسطين، العراق، البحرين، وسلطنة عمان.

الهدف من الزيارة، وفقًا للمسئولين الصينيين، لم يكن الترويج السياسي أو الدعائي، بل إتاحة الفرصة أمام الإعلاميين العرب للاطلاع المباشر على تجربة الصين في التنمية الاقتصادية والتكنولوجية، ونقل صورة واقعية عنها إلى الرأي العام العربي، بعيدًا عن الصور النمطية التي كثيرًا ما تقدمها بعض وسائل الإعلام الغربية. كما هدفت الزيارة إلى استكشاف فرص التعاون بين المؤسسات الإعلامية الصينية ونظيراتها العربية.

شنجن.. من قرية صيد إلى عاصمة للتكنولوجيا

بدأت الزيارة بمدينة شنجن، الواقعة على الحدود مع هونج كونج، والتي تمثل أحد أبرز الشواهد على نجاح سياسة الإصلاح والانفتاح التي أطلقها الزعيم الصيني الراحل، دنج شياو بينج، عام 1978.

في أقل من نصف قرن، تحولت شنجن من قرية صيد صغيرة إلى واحدة من أغنى المدن الصينية وأكثرها تقدمًا، وأصبحت مركزًا عالميًا للتكنولوجيا والصناعات الإلكترونية، حتى صار مصطلح  “سرعة شنجن ” تعبيرًا متداولًا لوصف قدرة الصين على الإنجاز في زمن قياسي.

ركز برنامج الزيارة في شنجن على زيارة عدد من الشركات والمعارض العلمية والتكنولوجية، من بينها شركة «أوبو» المتخصصة في الهواتف الذكية والتكنولوجيا الرقمية، إضافة إلى زيارة صحيفة “نانفان” اليومية. والمشاركة في مؤتمر دولي موسع استعرض خلاله مسئولون صينيون أفكار الرئيس الصينى، شي جين بينج، حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، وكيفية تطبيقها في منطقة خليج جوانج دونج، و هونج كونج، وماكاو .

بكين .. تعاون إعلامي ورؤية مشتركة

وفي العاصمة بكين، تضمن البرنامج عددًا من اللقاءات والزيارات المهمة، ففي مقر المجموعة الإعلامية الصينية الدولية China Global Television Network أو ( (CGTN )، التقى الوفد مسئولي القسم العربي الذين أكدوا استعدادهم لتعزيز التعاون مع المؤسسات الإعلامية العربية من خلال تبادل المواد الإعلامية والإنتاج المشترك. وأعربوا عن تقديرهم لمبادرات فنية وثقافية تسهم في توثيق الصلات بين الحضارتين المصرية والصينية، من بينها قيام الفنان حسين فهمي، بزيارة الصين والتعاون معهم في تصوير فيلم وثائقي وتقارير لتعزيز الروابط الثقافية بين مصر والصين.

زار الوفد الإعلامي العربي أيضًا مركز الخط الساخن الحكومي الذي يستقبل شكاوى المواطنين ومقترحاتهم، ويعالج ملايين الطلبات يوميًا بكفاءة عالية، في نموذج يعكس كيف يمكن للتكنولوجيا أن تتحول إلى أداة لخدمة المواطن وتعزيز كفاءة الإدارة العامة .

وشارك الوفد أيضًا في فعالية نظمها الحزب الشيوعي الصيني تحت عنوان « قوة جيل Z وآمال جديدة»، بهدف تعزيز التفاهم المتبادل بين الشباب الصيني وشباب الدول الأخرى، وتشجيع تبادل الخبرات والرؤى.

وضمت الفعالية أكثر من 120 مشاركًا من آسيا وأفريقيا وأوروبا، بينهم ممثلون عن أحزاب وبرلمانات ووسائل إعلام ومنظمات اجتماعية، إلى جانب شباب صينيين يعملون في مجالات الثقافة والفنون ومكافحة الفقر والتنمية المجتمعية.

وخلال المناقشات، برز تركيز الجانب الصيني على أهمية الحوار الثقافي والإنساني، باعتباره أحد أدوات بناء السلام والاستقرار العالمي، في مواجهة خطاب الكراهية والصراعات الجيوسياسية.

علاقات صينية عربية تتجه إلى آفاق أوسع

خلال الزيارة، التقى الوفد السفير «جين شين»، نائب رئيس دائرة الاتصال الخارجي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، الذي أكد أن بلاده تتطلع إلى تعميق التعاون العملي مع الدول العربية في مختلف المجالات، والعمل على بناء مجتمع صيني–عربي ذي مستقبل مشترك.

وأشار إلى أن العالم يمر بمرحلة من الاضطرابات والتحولات الكبرى، وأن الصين حريصة على تعزيز التضامن مع الدول العربية للدفاع عن مبادئ العدالة والإنصاف في النظام الدولي.

وفي لقاء آخر مع «يو وي»، نائب مدير إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا بالحزب الشيوعي الصيني، كان الحديث أكثر صراحة ووضوحًا. فقد أكد أن الهدف من استضافة الوفد العربي هو نقل التجربة الصينية إلى الرأي العام العربي، وزيادة عدد أصدقاء الصين في المنطقة، والاستفادة من ملاحظات الوفد في تطوير الرؤية الصينية تجاه الشرق الأوسط .

لكن اللافت في حديثه تأكيده أن الصين لا تسعى إلى تصدير نموذجها السياسي، ولا تطلب من الدول العربية استنساخ تجربتها، بل تدعو كل دولة إلى اختيار الطريق الذي يناسب ظروفها الوطنية لتحقيق التنمية وتحسين مستوى معيشة شعوبها.

وأشار المسئول الصيني إلى أن بلاده استفادت من تجارب مختلفة، وأن نجاحها الحقيقي بدأ مع سياسة الإصلاح والانفتاح عام 1978، التي أطلقت مسيرة التحديث الاقتصادي التي أبهرت العالم.

انتقادات للسياسات الغربية

وخلال اللقاءات المختلفة، وجه المسئولون الصينيون انتقادات واضحة للسياسات الغربية، خاصة الأمريكية، معتبرين أن الغرب يعتمد تاريخيًا على مبدأ «فرق تسد»، ويتدخل في الشئون الداخلية للدول لتحقيق مصالحه الاستراتيجية.

وأكد أحد المسئولين أن« السلام أصبح جزءًا من جينات الشعب الصيني»، في إشارة إلى أن بكين تفضل التنمية الاقتصادية والتعاون التجاري على الصراعات العسكرية.

كما أشار مسئولون صينيون إلى أن بلادهم كانت أول من رد على الرسوم الجمركية الأمريكية بإجراءات مماثلة، في إشارة إلى الصراع التجاري والتكنولوجي المستمر بين بكين وواشنطن.

وأكد الجانب الصيني كذلك أن هذا العام، الذي يوافق مرور سبعين عامًا على العلاقات العربية الصينية، سيشهد خطوات جديدة لتعزيز التعاون بين الصين والعالم العربي، انطلاقًا من مصر باعتبارها شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا لبكين في المنطقة.

الصين والشرق الأوسط.. التنمية بديلًا عن الصراعات

في جلسة نقاشية مع الدبلوماسي الصيني «تشاو وي دونج»، تناول المشاركون تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتأثيراتها على المنطقة.

وأكد المسئول الصيني أن قضايا الشرق الأوسط لا يمكن حلها إلا من خلال شعوب ودول المنطقة نفسها، وأن دور الصين يتمثل في دعم الحلول السياسية وتعزيز المصالح المشتركة، وليس تأجيج الصراعات أو فرض الإملاءات. وشدد على أن استقرار منطقة الخليج العربي ضرورة حيوية للاقتصاد العالمي، وأن الصين ترى في التنمية والتعاون الاقتصادي مدخلًا طبيعيًا لتخفيف التوترات السياسية والأمنية.

رؤية «التجمع» من داخل الحوار

خلال اللقاء، ألقيت كلمة باسم حزب التجمع، أكدت فيها تقديرنا العميق للعلاقات التاريخية بين مصر والصين، وللدور الصيني المتوازن في دعم القضايا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

كما تناولت الكلمة المخاطر المترتبة على التصعيد العسكري ضد إيران، وما يمكن أن يفضي إليه من اضطرابات واسعة تشمل أمن الطاقة العالمي، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، واتساع نطاق التوترات الإقليمية.

وأكدت أن حماية الدولة الوطنية تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة مخططات التفكيك وإعادة رسم خرائط المنطقة على أسس طائفية وعرقية، مشيرًا إلى توافق القوى الوطنية المصرية حول ما يؤكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي من أن الدولة الوطنية القوية هي الضمانة الأساسية لصون الاستقرار والسيادة .

وشددت على أهمية تعزيز التعاون العربي مع القوى الدولية الصاعدة، وفي مقدمتها الصين وروسيا ودول مجموعة « بريكس»، من أجل بناء نظام دولي أكثر توازنًا وعدالة.

سبعون عامًا من العلاقات الصينية العربية

تأتي هذه التحركات في وقت تستعد فيه الصين والعالم العربي للاحتفال بمرور سبعين عامًا على تدشين العلاقات الرسمية بين الجانبين، وهي مناسبة تعكس مسارًا طويلًا من التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي.

ويبدو واضحًا أن بكين تنظر إلى مصر بوصفها نقطة انطلاق رئيسية لتعزيز هذه العلاقات، نظرًا لما تمثله القاهرة من ثقل سياسي وتاريخي وحضاري في المنطقة العربية.

ما وراء الزيارة

لم تكن زيارة الوفد الإعلامي العربي للصين مجرد برنامج بروتوكولي أو جولة علاقات عامة، بل كانت فرصة حقيقية للاطلاع على تجربة تنموية متكاملة استطاعت خلال عقود قليلة أن تنتشل مئات الملايين من الفقر، وأن تجعل من الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومركزًا عالميًا للتكنولوجيا والابتكار.

الأهم من ذلك أن هذه التجربة لا تُقدم نفسها باعتبارها وصفة جاهزة للتصدير، ولكن باعتبارها دليلًا على أن لكل دولة الحق في صياغة نموذجها الخاص وفقًا لظروفها وثقافتها وأولوياتها.

نحو عالم متعدد الأقطاب

عكست هذه الزيارة، وما تضمنته من لقاءات ورسائل سياسية وإعلامية، حجم التحول الذي يشهده النظام الدولي في السنوات الأخيرة، مع تصاعد الدور الصيني عالميًا، وتزايد اهتمام بكين ببناء شراكات استراتيجية مع دول الجنوب، خصوصًا في العالم العربي وأفريقيا وآسيا.

كما تكشف عن رغبة صينية واضحة في تقديم نفسها بوصفها شريكًا دوليًا مختلفًا، يركز على التنمية والاستثمار والتعاون الاقتصادي، بدلًا من التدخلات العسكرية والصراعات السياسية.

وبينما يظل الجدل قائمًا عالميًا حول طبيعة الصعود الصيني وحدوده وأهدافه، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن الصين أصبحت لاعبًا رئيسيًا في معادلات الاقتصاد والسياسة الدولية، وأن علاقاتها مع العالم العربي تدخل مرحلة جديدة عنوانها المصالح المشتركة، والتعاون متعدد المجالات، والسعي لبناء نظام دولي أكثر توازنًا وتعددية .

وفي زمن تتراجع فيه الثقة في كثير من القوى الكبرى بسبب سياسات الهيمنة والتدخل، تبدو الصين بالنسبة لكثير من دول الجنوب شريكًا دوليًا يطرح مقاربة مختلفة: التنمية بدلًا من الإملاء، والتعاون بدلًا من الصدام، والاحترام المتبادل بدلًا من الوصاية.

وهذه ربما هي الرسالة الأهم التي عاد بها الوفد العربي من الصين إلى الرأي العام العربي: أن بناء المستقبل لا يكون بالصراعات، وإنما بالتنمية، وأن العلاقات الدولية الأكثر أخلاقية هي تلك التي تحترم سيادة الدول وتمنح الشعوب حقها الكامل في اختيار طريقها نحو التقدم.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy