هل تحقق محددات الحذف العدالة الاجتماعية أم تعاقب الفئات الأكثر احتياجًا؟
خبراء يطالبون بمراجعة معايير استبعاد الدعم
أثار استبعاد نحو 850 ألف مستفيد من منظومة الدعم التمويني حالة من الجدل بين المواطنين والخبراء، الذين رأى بعضهم أن الهدف المعلن، وهو توجيه الدعم إلى مستحقيه، يتطلب مراجعة عدد من معايير الاستبعاد حتى لا يُحرم مواطنون ما زالوا في حاجة إلى الدعم بسبب مؤشرات قد لا تعكس حقيقة أوضاعهم الاقتصادية.
ويرى خبراء أن نجاح أي منظومة للدعم لا يقاس فقط بحجم الوفر الذي تحققه الدولة، وإنما أيضًا بقدرتها على التفرقة بين غير المستحق والمواطن الذي ما زال يعتمد على الدعم لتأمين احتياجاته الأساسية.
نادر نور الدين: بعض المعايير تفتقر إلى المنطقية
يؤكد الدكتور نادر نور الدين، مستشار وزير التموين الأسبق، أن فكرة تنقية قواعد بيانات الدعم ليست جديدة، إذ بدأت منذ سنوات من خلال الربط الإلكتروني بين الجهات الحكومية المختلفة، بما يتيح تحديث بيانات المواطنين وحذف المتوفين أو المسافرين للخارج أو من يثبت عدم استحقاقهم. لكنه يرى أن بعض المعايير الحالية تحتاج إلى مراجعة، لأنها قد تؤدي إلى استبعاد أسر ما زالت تعاني من ضغوط اقتصادية.
ويشير إلى أن الاعتماد على استهلاك الكهرباء خلال أشهر الصيف كمؤشر على القدرة المالية قد يكون مضللًا، موضحًا أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي بطبيعته إلى زيادة الاستهلاك، كما أن كثيرًا من الأسر في الريف تشترك في عداد كهرباء واحد يخدم أكثر من أسرة داخل المنزل نفسه، وهو ما يرفع الاستهلاك المسجل دون أن يعكس مستوى معيشة الأسرة الواحدة.
ويقترح احتساب متوسط الاستهلاك السنوي بدلًا من الاعتماد على أشهر الذروة فقط، حتى تكون الصورة أكثر دقة.
المدارس الخاصة ليست دائمًا دليلًا على الثراء
ويضيف نور الدين أن التحاق الأبناء بمدارس خاصة لا يعني بالضرورة أن الأسرة ميسورة الحال، موضحًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين المدارس الدولية مرتفعة المصروفات، والمدارس الخاصة منخفضة التكاليف التي تلجأ إليها بعض الأسر بعد تعذر الحصول على أماكن مناسبة في المدارس الحكومية أو بسبب ارتفاع الكثافات.
ويقول إن كثيرًا من الأسر تتحمل هذه المصروفات على حساب احتياجات أخرى، ولذلك فإن الاعتماد على هذا المؤشر وحده قد يؤدي إلى نتائج غير عادلة.
السيارة قد تكون وسيلة للعمل
و ينتقد إدراج جميع السيارات ضمن مؤشرات الاستبعاد، معتبرًا أن امتلاك سيارة مستعملة أو قديمة لا يعكس بالضرورة ارتفاع مستوى المعيشة، إذ يستخدمها كثير من المواطنين كوسيلة للعمل أو لتقليل نفقات المواصلات.
ويرى أن الأولى أن تقتصر معايير الاستبعاد على السيارات الحديثة مرتفعة القيمة أو ذات السعات اللترية الكبيرة، باعتبارها مؤشرًا أقرب إلى القدرة الاقتصادية.
الدعم ركيزة للأمن الغذائي
ويحذر د. نادر نور الدين من أن تقليص منظومة الدعم في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية قد يزيد من معاناة الأسر محدودة الدخل.
ويشير إلى أن دراسات سابقة أظهرت أن الخبز والسلع التموينية لعبت دورًا مهمًا في الحد من معدلات الفقر، من خلال توفير الحد الأدنى من الأمن الغذائي للأسر.
ويؤكد أن الدعم الاجتماعي ليس منحة من الدولة، وإنما أحد أدوات الحماية الاجتماعية التي تلجأ إليها مختلف الدول لحماية الفئات الأكثر احتياجًا.
رشاد عبده: المطلوب معايير أكثر واقعية
فيما يرى الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن مراجعة قواعد بيانات الدعم أمر ضروري، لكنه يؤكد أن المشكلة تكمن في طبيعة بعض المؤشرات المستخدمة.
ويقول إن امتلاك سيارة قديمة أو إلحاق الأبناء بمدرسة خاصة منخفضة المصروفات لا ينبغي أن يكون وحده سببًا للاستبعاد، لأن كثيرًا من الأسر تلجأ إلى هذه الخيارات لتحسين ظروفها المعيشية أو التعليمية، وليس باعتبارها مظاهر للرفاهية.
ويضيف أن الطبقة المتوسطة تتحمل بالفعل أعباء كبيرة، وأن حرمانها من الدعم قد يدفع بعض الأسر إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية.
بدائل مقترحة
اقترح الخبيران مجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تجعل منظومة الدعم أكثر دقة وعدالة، من بينها: مراجعة المؤشرات المستخدمة بصورة دورية بما يتوافق مع المتغيرات الاقتصادية، التفرقة بين المدارس الدولية والمدارس الخاصة منخفضة المصروفات، عدم اعتبار امتلاك سيارة قديمة أو سيارة تستخدم في العمل مؤشرًا كافيًا على عدم الاستحقاق.
وطالبوا بضرورة الاعتماد على متوسطات الاستهلاك السنوية بدلًا من بيانات فترات الذروة،و تسريع إجراءات التظلمات حتى لا يُحرم المستحقون من الدعم لفترات طويلة.
الحكومة: الوزارة تنفذ ولا تضع المعايير
وفي المقابل أكد الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، أن الوزارة لا تضع معايير الاستبعاد، وإنما تنفذ السياسات التي تعتمدها الحكومة واللجنة الوزارية للعدالة الاجتماعية، استنادًا إلى قواعد البيانات الرسمية التي ترد من الجهات المختلفة بالدولة.
وأوضح أن منظومة الدعم تعتمد على بيانات متكاملة من عدد من الجهات، من بينها مجلس الوزراء، وهيئة الرقابة الإدارية، ووزارات المالية والتضامن والكهرباء والزراعة والداخلية والتعليم، بهدف تكوين صورة شاملة عن القدرة الاقتصادية للمواطن.
وأضاف أن الهدف من مراجعة البطاقات هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وليس حرمان المواطنين المستحقين، مؤكدًا أن باب التظلمات متاح لمن يرى أن قرار الاستبعاد لا ينطبق على حالته.
بين ترشيد الدعم والعدالة الاجتماعية
ويبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة هو تحقيق التوازن بين ترشيد الإنفاق العام وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، دون أن تؤدي بعض المؤشرات إلى استبعاد أسر ما زالت تواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة.
ومع استمرار تلقي شكاوى المواطنين، تتزايد المطالب بإعادة تقييم بعض محددات الاستحقاق، وتعزيز الشفافية في قرارات الاستبعاد، وتسريع فحص التظلمات، بما يضمن الحفاظ على أهداف منظومة الدعم، وفي الوقت نفسه حماية الفئات الأكثر احتياجًا من الوقوع خارج مظلة الحماية الاجتماعية.

التعليقات متوقفه