” أمريكا أولا ” تعيد رسم خريطة التحالفات.. لماذا يتعامل حلفاء واشنطن في آسيا مع ترامب بشكل مختلف عن أوروبا؟

1

منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إحياء شعار ” أمريكا أولًا ” كعنوان رئيسي لسياسته الخارجية، في خطوة أثارت قلقًا واسعًا بين حلفاء واشنطن التقليديين في أوروبا وآسيا، بسبب نهجه القائم على المصالح المباشرة، والتعامل البراغماتي مع التحالفات، وعدم القدرة على التنبؤ بمواقفه وقراراته.

ورغم وحدة المخاوف من السياسات الترامبية، فإن ردود فعل الحلفاء اختلفت بشكل واضح؛ ففي الوقت الذي تنظر فيه أوروبا الغربية إلى نهج ترامب باعتباره تهديدًا مباشرًا لنظام التحالفات الممتد لعقود، ترى العديد من الدول الآسيوية أن التعامل معه قد يحمل مخاطر وفرصًا في الوقت ذاته، خاصة في ظل التحدي الصيني المتصاعد.

أبدى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا الغربية استياءً متزايدًا من رئيس أمريكي لا يعطي الأولوية للتحالفات التقليدية، حيث وجد القادة الأوروبيون أنفسهم أمام خيارين صعبين: إما إدارة المخاطر الناتجة عن وجود قيادة أمريكية أقل اهتمامًا بالشراكات التاريخية، أو تأجيل القرارات الكبرى انتظارًا لاحتمال وصول إدارة أمريكية أكثر توافقًا مع أوروبا بعد انتخابات 2029.

ويرى الأوروبيون أن سياسة ” أمريكا أولًا ” تمثل تحديًا مباشرًا للمشروع الأوروبي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة بناء نظام دولي قائم على المؤسسات والقواعد المشتركة.

وفي المقابل، يرى أنصار النهج الترامبي أن الولايات المتحدة تحملت لعقود أعباء مالية وسياسية ضخمة للدفاع عن نظام عالمي استفادت منه دول أخرى، بينما تراجعت قوتها الاقتصادية والاجتماعية داخليًا.

لكن الأوروبيين يرفضون هذا المنطق، معتبرين أن المؤسسات الدولية، رغم عيوبها، تمثل عامل الاستقرار الأساسي الذي يمنع العالم من العودة إلى الفوضى والصراعات المفتوحة.

على الجانب الآخر، يتعامل حلفاء واشنطن في آسيا، وعلى رأسهم اليابان والفلبين وكوريا الجنوبية وتايوان وتايلاند، مع إدارة ترامب بدرجة أقل من التشاؤم مقارنة بأوروبا، رغم إدراكهم لمخاطر سياساته.

ويعود اختلاف الموقف الآسيوي إلى طبيعة التهديد الذي تواجهه هذه الدول، والمتمثل في صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية كبرى تسعى إلى تعزيز نفوذها الإقليمي.

وفي تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز”، أوضح جون لي، الزميل الأول في معهد هدسون للأبحاث، أن استعداد الحلفاء الآسيويين للتعامل مع ترامب بشروطه ينبع من شعور أعمق بالضعف مقارنة بالحلفاء الأوروبيين، إذ يرون أن الوجود الأمريكي يمثل الضمانة الأساسية أمام أي هيمنة صينية محتملة.

وبحسب هذا التصور، فإن هذه الدول مستعدة لقبول صفقات غير متكافئة مع واشنطن، لأن تكلفة الاعتماد على الولايات المتحدة تظل أقل من مخاطر الخضوع للنفوذ الصيني.

يرى العديد من الحلفاء الآسيويين أن قوة الولايات المتحدة واستعدادها لاستخدام أدواتها العسكرية والسياسية تعزز مصداقية الردع الأمريكي، وبالتالي تمنحهم شعورًا أكبر بالأمان.

وتستند هذه الرؤية إلى تجارب سابقة، من بينها تراجع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما عن تنفيذ تهديدات بالرد العسكري عقب استخدام النظام السوري السابق أسلحة كيميائية ضد المعارضة، إلى جانب عدم اتخاذ خطوات أكثر حسمًا تجاه توسع الصين العسكري في بحر الصين الجنوبي.

ولهذا تنظر دول آسيوية عديدة إلى القوة الأمريكية باعتبارها عنصرًا حاسمًا في حماية التوازن الإقليمي، حتى وإن جاءت أحيانًا في صورة سياسات حادة أو مثيرة للجدل.

ورغم النمو الاقتصادي الكبير في آسيا، فإن المنطقة تفتقر إلى منظومة أمنية جماعية شبيهة بحلف شمال الأطلسي “الناتو”، إذ اعتمدت الولايات المتحدة تاريخيًا على شبكة من التحالفات الثنائية مع دول المنطقة بدلًا من إنشاء تحالف أمني متعدد الأطراف.

كما أن أطر التعاون مثل “الرباعية” التي تضم الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان ساهمت في تعزيز التنسيق الاستراتيجي والاقتصادي، لكنها لا تقدم ضمانات أمنية ملزمة بالقدر الذي يوفره الناتو لحلفائه الأوروبيين.

وهذا الضعف المؤسسي يجعل دول آسيا أكثر حرصًا على الحفاظ على العلاقة مع واشنطن مهما كانت طبيعة الإدارة الأمريكية.

ظهر الاختلاف في التعامل مع إدارة ترامب بوضوح خلال أزمة الرسوم الجمركية الأمريكية، حيث واجه الاتحاد الأوروبي تهديدات واشنطن بفرض رسوم على وارداته بردود مضادة، ولوّح بإجراءات قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات ضد منتجات أمريكية.

لكن مع تصاعد خطر اندلاع حرب تجارية واسعة، توصل الجانبان إلى اتفاق في يوليو 2025.

في المقابل، اتخذ الحلفاء الآسيويون نهجًا أكثر مرونة، حيث ركزوا على التفاوض وإبرام اتفاقيات مباشرة مع إدارة ترامب، حتى عندما كانت بعض الشروط تميل لمصلحة الولايات المتحدة.

وقبل إعلان الرسوم الجمركية الأمريكية الشاملة في أبريل 2025، الذي أطلق عليه ترامب “يوم التحرير”، سعى عدد من القادة الآسيويين إلى تقديم تنازلات اقتصادية باعتبارها وسيلة للحفاظ على الدعم الأمريكي وتعزيز العلاقات الأمنية.

ويرى جون لي أن جوهر الاختلاف بين أوروبا وآسيا يكمن في طبيعة التهديدات التي تواجهها كل منطقة؛ فأوروبا تعتمد بدرجة أكبر على المؤسسات الدولية والقواعد المشتركة، بينما تنظر آسيا إلى موازين القوة باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في ضمان الأمن.

وفي النهاية، فإن العديد من الدول الآسيوية قد تتقبل شعار “أمريكا أولًا” طالما أنه لا يتحول إلى سياسة “أمريكا وحدها”، إذ تدرك أن استمرار الشراكة مع واشنطن، حتى بشروط أكثر صرامة، يظل الخيار الأقل خطورة في ظل صعود القوة الصينية وتغير موازين النظام العالمي.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy