صفحة من تاريخ مصر
فهل تلد الثعابين إلا ثعابين، هذا هو السؤال الذى يحلق فى ساحة الكتابة عن جماعات التأسلم الإرهابية التى تتوالد من أفكار سيد قطب، ولأن الإرهاب يبدأ فكرا فإننا نبحث فى انعكاسات هذا الفكر فى أداء وأفكار وإرهاب الآتين من ساحته.
وفى عام 1965 وفيما كانت حملات تمشيط أمنية ضد فلول جماعة الإخوان فى إطار قضية سيد قطب قبض على شاب صغير السن، اتهم بالانتماء لجماعة الإخوان، الطالب هو شكرى مصطفى والكلية: زراعة أسيوط والسجن: مزرعة سجن طرة، وقضى شكرى مصطفى ست سنوات فى سجون ناصرية شديدة القسوة ولمدد تمتد بلا نهاية ولا أمل لدى المعتقلين والسجناء فى نهايتها وهذا بدأت همسات التردد والتراجع فى صفوف بعض الكوادر الإخوانية فالبعض يرى ضرورة إعلان تزييدهم لبعد الناصر ولو على سبيل “التقية” كسبيل للخروج من سجن بلا نهاية ،والآخرون ظلوا متمسكين بالعداء الصارم لعبدالناصر ونظامه، وفي إطار هذا الخلاف لجأ المتشددون أو بعض منهم إلى أفكار سيد قطب التكفيرية واتخذوا سبيلا لها عبر عبارات أكثر بساطة ولعلها أكثر تأثيرا، يقول الأستاذ عمر التلمسانى أحد المرشدين للجماعة “عندما كنا فى المعتقلات كان تعذيب زبانية عبدالناصر على أشد صورة ووحشية، وتصور بعض المعذبين أن ما وقع عليهم لا يمكن أن يصدر عن مسلم فى قلبه ذرة من إيمان، وفى غمار هذا الهول نبتت فكرة التكفير عند بعض الشباب ورسخت فى أذهانهم وآمنوا بها عن اقتناع غريب (عمر التلمسانى – ذكريات لا مذكرات – ص113)، دلنا على هذا القول الذى يتبدى بسيطا وبريئا ملاحظتان الأولى أنه يباعد بين التأثير الفكرى لسيد قطب وبين التكفير بينما كان التكفير للحاكم والمحكوم هو أساس أفكار سيد قطب، أما الملاحظة الثانية فهى أنه يوشك أن يجد مبررا لهذا الفكر.
المهم وصل الشاب شكرى مصطفى إلى سجن مزرعة طرة وسط هذا الخلاف وكان بطبيعته متوترا وحاد الطبع وأيضا سليط اللسان عالى الصراخ فى وجه الجميع، وبدأ شكرى حملته أو بالدقة هجومه الضارى على دعاة التصالح مع نظام عبدالناصر بهدف الخروج من سجن لا ينتهى وكان يصيح فيهم “من العار على المسلمين أن يمسك بهم كالدجاج دون مقاومة، كنتم تكذبون على أنفسكم وعلى الناس، عندما كنتم تقولون: الموت فى سبيل الله أسمى أمانينا” (أحمد رائف – سراديب الشيطان – صفحات من تاريخ الإخوان – 1989 – ص53)، وأخذ شكرى يتصاعد بصراخه مدعوما بعديدين التفوا حوله كأتباع مخلصين فدعا للجهاد ضد الكفار حتى فى داخل السجن “فهم كفرة والواجب قتالهم والجهاد ضدهم والأصل فى حياة المسلم هو طلب الشهادة فإن حصل عليها فى أى موقع فهو الفائز، ويجب على المسلمين أن يبحثوا عن الشهادة فى سبيل الله ولو بين طرقات العنابر وظلمات الزنازين، ولو حسن تصوركم لعلمتم أن الشهادة هى الباب الصعب إلى العالم الرحب” (الحياة اللندنية – عدد 19 نوفمبر 1996 – مقال لعادل دسوقى بعنوان: ربع قرن على ظهور فكر التكفير والهجرة – الجماعة الأولى تغيرت معالمها”.
لكن ملاحظة بسيط لابد لها أن تبعث للدهشة ولست أدرى كيف لم يرد عليه أحد من إخوان السجن بها وهي.. أنتم تواجهون كل يوم “الكفار” من ضباط وجنود السجن فإن الجهاد ضدهم وأين البحث عن الشهادة وعلى أية حال استمر شكرى يدعو لأفكاره نثرا وشعرا وكان يقف فى عنابر مزرعة طرة صارخا بأشعار صاغها ردا على من يجادلونه فى صحة دعوته، ونقرأ شعرا ربما كان من الناحية الفنية ركيكا لكنه كان يترك أثرا يشبه السحر فى تابعيه..
اترك شلاله من ضلوا وغيهم
واتبع نبيك واستوثق على رسل
أعدت شاردها لله فاجتمعت
من بعد مختلف الأهواء والنحل
أو يصيح فيهم بشعر أكثر ركاكة وأفعل أثرا..
دياركموا فوقى أثارت فؤاديا
وذكراكمو قومى أدمت جراحيا
وقفت بأرض ما عليها علاقة
من الأهل إلا ذكريات خواليا
فياليتنى عنها بعيد مسافة
وياليت تلك الأرض ليست ميلاديا (المرجع السابق)
ونواصل..

التعليقات متوقفه