ضد التيار: جيل الرسالات النبيلة

كنت محظوظة حين انتميتُ لعضوية حزب التجمع عند تأسيسه عام 1976 أن أعاصر جيلا من الاقتصاديين العظام ممن شاركوا فى تأسيسه ، فى مقدمتهم الدكتور فؤاد مرسى والدكتور إسماعيل صبرى عبدالله ،فكلاهما أمضى الجزء الأكبر من حياته مسخرًا علمه وثقافته وعلاقاته الدولية وصحوة ضميره، فى سياق  نضال جسور، ومتجردًا للبحث فى كل سياسة وكل إجراء  حكومى فى مصر وفى العالم ،عن مصالح الفقراء والقابعين فى الظل فى سفح السلم الاجتماعى .

كانا يدركان أن مصريتهما ويساريتهما ومحبتهما لهذا الوطن  لاتكتمل إلا بذلك الاختيار ، حتى لو أدى أن يفقدا حريتيهما ، ويعيشا حياة قلقة  برغم يسر عائلتيهما طالما كانا يؤديان الرسالة التى وهبا حياتهما لها، بفضح سياسات التبعية التى تُحمّل الطبقات المتوسطة والشعبية النتائج الفاشلة لاختيارها الاقتصادى التابع بتقليص الخدمات الحكومية ،وخصخصة المشروعات العامة ، ومنح الامتيازات المالية والتشريعية لزمرة من المحتكرين والمضاربين والسماسرة ، وإضفاء المشروعية على النهب المنظم لموارد البلاد ، بزعم تشجيع الاستثمار الخاص !

هذا الجيل من أصحاب الرسالات النبيلة ، فهم الاشتراكية فهمًا حقيقيًا باعتبارها تحريرًا للإنسان من كل أشكال الظلم  والضغوط ،كى ترتفع رايات العدل الاجتماعى والحرية والمساواة فى كل ربوع بلاده ، وإلى هذه السلالة  ينتمى عالم الاقتصاد  الاشتراكى الدكتور جودة عبد الخالق ،الذى منحنى متعة خالصة على امتداد نحو ثلاث ساعات هذا الأسبوع لقراءة كتابه الجديد الصادر مؤخرًا عن دار العين للنشر بعنوان “إحياء ذاكرة المصريين “.

يحمل الكتاب كثيرًا من عنوانه ، فهو ينطوى على خلاصة حافلة بالدلالات والمعانى و الدروس فى الشأن العام – لمن يريد التعلم  والتذكر- وكاشفة لشخصية الكاتب عبر تتبع الهموم الوطنية والاجتماعية والفنية والثقافية والدينية التى لاحقها والانشغالات والمنغصات التى طوقته على امتداد أكثر من  17 عامًا ، هى عمر كتابته لواحد من أبرز وأهم الأعمدة الأسبوعية فى الصحافة المصرية ، وهو عمود لقطات فى صحيفة “الأهالى “الذى يضم الكتاب عددا منها فى الفترة ما بين عامى  1998 و 2015.

الملاحظة البارزة فى هذا الكتاب الشيق والمهم أنه يقدم شهادة لمفكر اقتصادى لامع على عهدين وعلى ثورتين ، عهد مبارك وما بعده ، وثورتى 25 يناير و30 يونيو،  تحفل بالدقة والإنصاف ، وفى الحالتين انصب السعى الدءوب لجودة عبد الخالق ، بالفكر والسلوك العلمى واقتراح البدائل ،وبالصدق والثقافة واليقظة المعهودة لضميره الحى ، لفتح الطرق المسدودة أمام النهوض الاقتصادى والتقدم الاجتماعى . وحتى لو كان الكلام محصورًا عن نهر النيل و عبد المنعم رياض وعن الأغانى والأناشيد، والفوازير والمحمول ، فإن قضية العدالة الاجتماعية تظل حاضرة بقوة فى ثنايا كل ما يكتبه ،ولا يقل عنها الرغبة فى تعميم المعرفة والحث على الاستفادة من تجارب الآخرين  الملهمة .

الملاحظة الأخرى هى الاهتمام  الواضح للمؤلف ،  بالفنون والآداب والسينما والغناء واللغة والأمثال الشعبية والتراثية ،و هى كلها مهارات منحته القدرة على قول أعقد الأشياء بأبسط الطرق .

غير أن المفاجأة التى يقدمها الكتاب للقارئ ،تكشف أن العالم الاقتصادى والأستاذ الجامعى والمناضل السياسى  جودة عبد الخالق ، يقرض الشعر أيضًا . يقول جودة فى قصيدته “وأرانى الآن أحيا فى جماعة ،أرى فيها الناس تزهو فى وضاعة ، وخداع الغير قد أضحى صناعة ، وغدا القوم لهاة فى مجون”. ولهذا السبب يطلق جودة عبد الخالق  نصيحته وتحذيره من أننا لن يكون بمقدورنا أن نطور الاقتصاد ونحدث المجتمع المصرى ، دون التخلى عن الشخصية السلبية والعدوانية والاستهوانية، التى أشاعت فى البلاد النزعات العدمية التى تساوى بين النور والظلام وبين الحق والباطل،وبين الصواب والخطأ،فلعلكم تنصتون .

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy