حين انفجرت الأزمة داخل «مجلس قيادة الثورة»، فى فبراير 1954، وأُزيح رئيس المجلس، اللواء محمد نجيب، وكان ذا شعبية كاسحة، شاركتُ فى مظاهرة، خرجت من مدرسة العريش الثانوية، ضد «المجلس»، وتأييدًا لنجيب، ومطالبة بعودته على رأس «مجلس قيادة الثورة»، فاعتُقلتُ مع مجموعة من الطلبة، وأُودعنا سجن مركز شرطة العريش، مشيَّعين بالشتائم المقذعة، من المأمور ورجاله.. بعد أقل من نصف ساعة، أتى المأمور، وبأدب جم، قال لنا: «ياللا يا أساتذة اتفضلوا مع السلامة»! وحين أبدينا دهشتنا، وطالب بعضنا بالبقاء قليلًا فى السجن، ربما طلبًا للمجد! سألت المأمور عن سبب هذا الانقلاب المفاجئ فى موقفه، فرد، من فوره: «خالد محيي الدين عمل انقلاب، وأعاد نجيب».. خرجنا من سجن العريش، فى مظاهرة، تهتف: «عاش نجيب ويحيا خالد!»
عثرت فيما بعد على تصريح فى إحدى المجلات لخالد محيي الدين أثناء أزمة مارس 1954، قال فيه أعطيت صوتي بجرأة للديمقراطية، قصصت التصريح ووضعته فى برواز زجاجي، وظل معلقًا فى غرفة الضيوف، حتى غادرت غزة قبل خمسين عاماً.
معروف أن خالد محيي الدين ظل رئيسًا للوزراء، لمدة سبع ساعات، غادر بعدها إلى سويسرا.. بينما عاد نجيب إلى موقعه، رئيسًا لمجلس قيادة الثورة، وذهب عبد الناصر إلى مقر مكتب الإرشاد الخاص بالإخوان المسلمين، ليهنئ مرشد «الإخوان»، حسن الهضيبي، على الإفراج عنه.وكأن شخصًا آخر هو من حبس الهضيبي وإخوانه، وليس عبد الناصر، بالذات.
كشف التاريخ لنا بأن عبد الناصر عقد، فى زيارة التهنئة هذه، اتفاقًا مع قيادة «الإخوان»، تخلو بموجبه عن بقية القوى الوطنية، المشاركة فى «هبَّة مارس». وفعلًا، خذل «الإخوان» الوفد، والشيوعيين فى تلك الهبَّة، دون أن يدروا بأن موقفهم ذاك لم يمنع من أن يؤكلوا يوم أُكل الثور الأبيض! فبعد أقل من ثمانية أشهر، وجهت إليهم أجهزة الأمن ضربة قاصمة «أكتوبر 1954».
والى عبد الناصر هجومه على «الصاغ الأحمر»، وعلى «بنداري باشا الأحمر»،وبينما قصد بالأول خالد محيي الدين، فإنه عني بالثاني كامل باشا البنداري، العضو البارز فى «حزب الأحرار الدستوريين»، المشهور بتعبيره عن مصالح كبار الملَّاك، فى الحركة السياسية المصرية، كما كان سفيرًا لمصر فى الاتحاد السوفييتي، إلى ما بعد قيام “حركة الجيش” فى مصر «23/7/1952».
دارت الأيام، وفجأة صدرت صحيفة مسائية يسارية، «أكتوبر 1956»، صاحب رخصتها هو جمال عبد الناصر، وأُسندت رئاسة التحرير لخالد محيي الدين، وحفلت بالكتاب والصحفيين الشيوعيين، أمثال د. عبد العظيم أنيس، وعلي الشلقاني، وطاهر عبد الحكيم، وفيليب جلَّاب، وفتحي عبد الفتاح، وعبد العزيز فهمي، وشوقي عبد الحكيم. ومن اليساريين غير الشيوعيين، كان على الراعي، ولطفى الخولي، ومحمد عودة.
فى 23 يناير 1957، طاردتني قوات الاحتلال الإسرائيلي، فأفلت ضمن نحو عشرة أعضاء من «الشيوعي الفلسطيني فى قطاع غزة». ووصلت القاهرة، فى آخر الشهر نفسه. وفى الأسبوع الاأول من فبراير، سعيت للقاء خالد محيي الدين. وقد كان، ولحسن الحظ، وجدت عنده د. عبد العظيم أنيس، وشرحت لهما أوضاع المقاومة فى قطاع غزة المحتل، بفعل «العدوان الثلاثي»، واستغرق اللقاء نحو ساعتين.
حين فشل انقلاب عبد الوهاب الشواف فى العراق، فى مارس 1959، ضد عبد الكريم قاسم، خرجت «المساء» بمانشيت باللون الأحمر: «فشل انقلاب الشواف». وكان عبد الناصر، وقتها، فى دمشق، فاتصل بنائبه، عبد الحكيم عامر، وسأله غاضبًا: «هي (المساء) معانا والا ضدنا؟!» واستهجن عبد الناصر كيف أن عامر لم يشاركه هجومه الإعلامي على الشيوعيين. فاتصل عامر، من فوره، بخالد محيي الدين، اتصالًا عاصفًا، انتهى بتقديم خالد استقالته من رئاسة تحرير «المساء»، وودَّعه المحررون إلى باب مقر الجريدة. بينما أجهش مصطفى بهجت بدوي، العضو المنتدب للجريدة، بالبكاء.
ألقى عامر خطابًا، فى الجماهير المحمولة، وعبر الإذاعة، ندَّد فيه بمن أسماهم: «الشيوعيين العلماء!» وكررها أكثر من مرة.. تُوِّجت الحملة الدعاوية، بحملة أمنية، طالت الموجة الثانية من الشيوعيين (24/3/1959)، بعد أن كان محمد حسنين هيكل، شن هجومًا ظالمًا على الشيوعيين، وطالبهم برفع الرايات الوطنية، «وإلا فلتوضع الأقفال على الأفواه» «الأهرام 20/12/1958».
كانت كل جريمة ثلثيْ الشيوعيين المصريين، وكل الشيوعيين السوريين، أنهم طالبوا بالديمقراطية، ضمانة واقية للوحدة المصرية السورية، التي تمت فى 22/2/1958.
أما نحن فى قطاع غزة، فسارعنا إلى إصدار منشور سري، أواخر فبراير 1959، حيَّا دولة الوحدة، وطالبا بضرورة ضم فلسطين إليها، باسم «الإقليم الأوسط»، مادامت سوريا حملت اسم «الإقليم الشمالي»، ومصر «الإقليم الجنوبي». ومع ذلك، فقد طالتنا، فى قطاع غزة، حملتا اعتقالات «23/4، 10/8/1959»، شملت 31 متهمًا بالشيوعية، بينهم فتاة واحدة، أكثر من ربعهم لا علاقة لهم بالحزب الشيوعي، من قريب أو بعيد، لكن ماذا نقول عن الغباء الأمني؟!
فى الاحتلال الإسرائيلي الثاني «1967»، طوردت، فقررت الاختفاء، ومواصلة العمل، إلى أن اضطررت للخروج من القطاع «2/4/1968»، إلى عمان، ومنها إلى القاهرة، التي فوجئت باسمي على «القائمة السوداء»، دون أن تُغيِّر هزيمة 1967 شيئًا فى هذه القائمة! وبعد يومين، تمكن أحد زملائي من التدخل، والإفراج عني من مطار القاهرة «28/6/1968».
هذه المرة، حرصت، أيضًا، على الالتقاء بالصاغ الأحمر، ودار بيننا حوار بالغ الأهمية، وغريب الشأن، سيأتي يوم، وأفرغه، إن كان فى العمر بقية!
مع تنفيذ أنور السادات لوعيده بتنفيذ «مبادرته»، بزيارة إسرائيل «19/11/1977»، اعتُقلت ضمن أربعة من الهيئة الإدارية فى اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين- فرع مصر العربية-، هم: مريد البرغوثي، والمرحوميْن أحمد عمر شاهين، ومحمد أحمد رمضان؛ كان للصاغ الأحمر موقف نبيل هنا، لكن تدخله لم يُجدِ هذه المرة، وتم ترحيلنا إلى بغداد. على أن هذا لم يمنع الفقيد من التدخل لـ «العفو» عنا، أنا ومريد، بعد أن نجح شاهين بالعودة، عنوة، إلى مصر، بينما توجه رمضان إلى نيويورك، حيث عمل فى الترجمة المباشرة فى الأمم المتحدة. ولا يزال فى الجعبة الكثير، اتفاقًا وخلافًا، لكن دون أن يُفسد للود قضية. رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جناته.
عبد القادر ياسين

التعليقات متوقفه