لا تأكل وحدك.. دراسات تكشف علاقة الوجبات المشتركة بانخفاض الاكتئاب ومخاطر تدهور الدماغ
قد تبدو مائدة الطعام مجرد مكان لتناول الوجبات، إلا أن دراسات حديثة تشير إلى أن الجلوس حولها بصحبة الآخرين قد يحمل فوائد تتجاوز التغذية، لتصل إلى دعم الصحة النفسية وربما الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في العمر.
وتشير نتائج بحثية إلى وجود ارتباط بين تناول الطعام بصحبة الآخرين وارتفاع مستويات الرضا عن الحياة والمشاعر الإيجابية، مقابل انخفاض المشاعر السلبية، بينما يرتبط تناول الوجبات بصورة متكررة في عزلة بمؤشرات أقل للرفاهية النفسية.
وأكد تقرير السعادة العالمي لعام 2025 أن هذه العلاقة ظهرت عبر أعمار وثقافات ودول مختلفة.
وأوضح جان إيمانويل دي نيف، أستاذ الاقتصاد والعلوم السلوكية بجامعة أكسفورد وأحد المشاركين في إعداد تقرير السعادة العالمي، أن مشاركة الطعام تمثل إحدى الوسائل المهمة لبناء الروابط الاجتماعية وتعزيز الثقة والتواصل بين الأفراد.
واعتمد التقرير على بيانات لأكثر من 150 ألف شخص من أكثر من 140 دولة ومنطقة، ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يشاركون عددًا أكبر من وجباتهم مع آخرين يميلون إلى تسجيل مستويات أعلى من الرضا عن الحياة والمشاعر الإيجابية.
لكن الباحثين شددوا على أن النتائج تكشف عن ارتباط قوي، ولا تثبت بصورة قاطعة أن تناول الطعام مع الآخرين هو السبب المباشر وراء تحسن الحالة النفسية؛ إذ من الممكن أيضًا أن يكون الأشخاص الأكثر سعادة واجتماعية أكثر ميلًا إلى مشاركة الوجبات مع غيرهم.
وتدعم دراسات أجريت على كبار السن هذه العلاقة، إذ أشارت أبحاث شملت آلاف السيدات المسنات في الصين إلى ارتباط مشاركة الوجبات مع الآخرين بانخفاض معدلات الاكتئاب، حتى مع مراعاة مجموعة من العوامل الاجتماعية والصحية الأخرى.
كما توصلت أبحاث يابانية إلى أن كبار السن الذين يعيشون مع أسرهم لكنهم يتناولون الطعام بمفردهم قد يكونون أكثر عرضة لظهور أعراض الاكتئاب مقارنة بمن يشاركون وجباتهم بانتظام مع آخرين.
ويرى الباحثون أن الأمر قد لا يتعلق بالطعام وحده، وإنما بالتفاعل الاجتماعي المصاحب للوجبة، بما يتضمنه من حديث وتواصل وشعور بالانتماء والدعم.
وتمتد الفوائد المحتملة إلى صحة الدماغ، إذ أشارت دراسات حديثة إلى وجود اختلافات في بعض مناطق المخ المرتبطة بالذاكرة والوظائف الإدراكية لدى كبار السن الذين اعتادوا تناول الطعام منفردين.
وقد يرجع جزء من هذه العلاقة إلى أن من يتناولون وجباتهم بمفردهم قد يعتمدون أحيانًا على أنظمة غذائية أقل تنوعًا أو قيمة غذائية، لكن الباحثين يرون أن ضعف التواصل الاجتماعي نفسه قد يكون عاملًا إضافيًا مؤثرًا.
ويعتقد العلماء أن الحوار والتفاعل أثناء الوجبات يمكن أن يوفر نوعًا من التحفيز الذهني المستمر، في حين قد يسهم الدعم الاجتماعي المصاحب لتناول الطعام مع الآخرين في تخفيف مستويات التوتر، وهو ما قد يكون مفيدًا لصحة الدماغ على المدى الطويل.
وبينما لا تزال العلاقة بين الوجبات المشتركة وخطر الإصابة بالخرف بحاجة إلى مزيد من الدراسات لإثبات السببية بشكل واضح، فإن النتائج المتاحة تعزز رسالة بسيطة: مشاركة الطعام قد تكون عادة اجتماعية صغيرة، لكنها ترتبط بمؤشرات مهمة للصحة النفسية والرفاهية، وتمنح مائدة الطعام دورًا أكبر بكثير من مجرد إشباع الجوع.

التعليقات متوقفه