لا يجادل أحد فى أن الاتصالات المحمولة اكتسبت، وتكتسب أهمية بالغة فى حياتنا اليومية يوما بعد يوم، لدرجة بات معها من المستحيل أن نفكر فى الشكل الذى كانت لتكون عليه حياتنا بدونها، وهو أمر لم يكن من الممكن تخيله قبل عشرون عاما على سبيل المثال، عندما كنا نكتفى بالتليفون الثابت.
ولهذا تتزايد توقعاتنا بالحصول على خدمات تتوازى مع أهمية هذه التكنولوجيا، وتداخلها فى كافة تفاصيل حياتنا، فلم يعد من المقبول، ولا من المحتمل أن تنقطع الخدمة، أو أن تتردى جودتها لدرجة يصعب معها التواصل السريع والفعال، ولو لدقائق قليلة، لأنه، وببساطة، سيعنى ذلك أن حياتنا الاقتصادية، والاجتماعية ستتعطل على الفور، وكأننا فقدنا الحبل السُرى، الذى يربطنا بالعالم من حولنا، ولن يمكننا وقتها أن نقبل بأى تبريرات أو أعذار أيا كان شكلها، أو سببها، مطالبين بعودة الخدمة فورا.
وعلى الرغم من الجهود التى تبذلها بعض شركات الاتصالات المحمولة العاملة فى مصر لتحسين مستوى جودة الخدمات الصوتية، والداتا، وخدمة العملاء، وتوسيع نطاق التغطية لشبكاتها، إلا أن المشتركين ما زالوا يواصلون الشكوى من عدم حصولهم على الخدمات بالشكل الذى يتوقعونه، مما يعنى أننا أمام فجوة عميقة تقع فى منتصف المسافة ما بين أداء الشركات، وتوقعات العملاء، وهذه الفجوة تتسع يوما بعد يوم، وخصوصا مع عدم جدية الشركات فى ادخال تطبيقات جديدة لخدمة العملاء، وغياب الشفافية فى المعاملات، مما يضع العملاء تحت رحمة الشركات عند الشكوى، مثلا، من استهلاك الباقات، ونفاذ الرصيد، ولا يبقى أمام المشترك إلا القبول بما تدعيه أقسام خدمة العملاء، إذا لا بديل أمامهم للتأكد من صحة ما يقال لهم بهذا الشأن.
ومن الواضح أننا كمشتركين أصبحنا فى حاجة ماسة إلى مطالبة الشركات بتطبيقات جديدة لخدمة العملاء تسمح لهم بإدارة حساباتهم، ومتابعة أنماط استهلاكهم بأنفسهم، بدلا من اللجوء التقليدى لخدمة العملاء لدى الشركات.
كما أن الشركات مطالبة بأن تتفهم، وأن تعى جيدا أن هناك فارقا شاسعا بين الشركات التى تقدم منتجات مادية ملموسة، والشركات التى تتركز مهمتها فى تقديم الخدمات. فالاتصالات المحمولة هى نوع من الخدمات غير الملموسة، مما يعنى أن العملاء يستخدمونها، ولا يستشعرونها، إلا عند تردى مستوياتها، وبالتالى، على الشركات أن تركز على مهمتها الأولى والأساسية فى تحقيق رضا عملائها، أكثر من تركيزها على تسعير خدماتها، والترويج لها، فخدمة العملاء الجيدة ستحافظ على ولاء المشتركين الحاليين، كما ستجلب عملاء جدد، أما الخبرات السيئة، فتجلب السمعة السيئة، وتكرار الشكاوى، سيخصم من رصيد الشركة، ولا شىء أكثر ضررا على شركات الخدمات من “السمعة السيئة”.
ومن الضرورى، أن يلعب الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات دورا أكثر فعالية من الدور التقليدى الذى يتقمصه حاليا، وأن يسعى إلى استكشاف الخبرات الحقيقية للعملاء، لا الاكتفاء بالقياسات التقليدية التى يجريها من وقت لآخر، خصوصا، وأن تلك القياسات تقتصر على جودة خدمات الصوت ونقل البيانات فقط، ولا تشمل قياس مستوى جودة خدمات العملاء، كما لا تشمل شكاوى العملاء من الخصومات الهائلة من أرصدتهم بلا مبررات واضحة، أو إدراجهم فى خدمات بدون إرادتهم، وكلها أسباب تدعو إلى ما هو أكثر من المتابعة والمراقبة. ولا يمكن الاقتناع بمببرات على غرار أن الجهاز يجب أن يحافظ على حياديته باعتبار أنه “الحَكَم”، فبالنسبة للعملاء يمكن أن يكون الجهاز حَكَما بين الشركات، لكنه “خصم” لها عندما يتعلق الأمر بشكاواهم، خصوصا إذا كانت هذه الشكاوى متكررة، ولها مبررات واضحة، ودوافع قوية.
إن تزايد تعقيدات الخدمات، وتنوعها، يمثل بلا شك عبئا على الشركات، بقدر ما هو عنصر جذب للعملاء، إلا أن تسارع التقدم فى تكنولوجيا الاتصالات، وتنامى تنوع التطبيقات، وتزايد توقعات العملاء، تشكل تحديات على الشركات أن تجابهها، وأن تجد لها حلولا، قبل أن تجرفها رياح المنافسة.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
محرر متخصص فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
رئيس قسم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (آفاق معلوماتية) بجريدة الأهالى.
وقسم (علوم وتك) بالطبعة الإلكترونية للجريدة.
http://alahalygate.com/archives/96556
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه