لقطات ..د. جودة عبدالخالق يكتب :الموازنة الجديدة مقامرة باستقلال الوطن

808

نواصل هنا ما بدأناه في مقالنا السابق؛ بمناسبة إطلاق مشروع الموازنة العامة للدولة 2024-2025. قلت في “لقطات” بتاريخ 8 مايو: إن الدكتور معيط للأسف لم يلتزم بمضمون القسم الوزاري الذى أداه عند توليه منصبه. وطرحت وجهة نظرى إجمالًا بالقول إن مشروع الموازنة الذى قدمه لنا وزير المالية لم َيرْعِ مصالح الشعب ولم يحافظ على استقلال الوطن. وسوف أوضح اليوم كيف أن مشروع موازنة 2024-2025 يعكس تفكيرا ينطوى على مقامرة اقتصادية، ويهدد استقلال البلاد تهديدًا خطيرًا. أقول ذلك استنادًا إلى المبادئ الأساسية لعلم الاقتصاد ودروس التجربة التاريخية لمصر. وابتداء، لا بد من التأكيد على أن مشروع الموازنة المذكور يأتي في أعقاب الاتفاق الأخير مع صندوق النقد الدولى، الذى تم في أوائل مارس الماضى. وهو يترجم الشروط التى وضعها الصندوق لتوقيع الاتفاق، وفى مقدمتها المزيد من الاستدانة. كما أُذكِّر القراء بأن هذا يؤكد ما قلته في هذه الزاوية منذ سنتين.
فقد كتبت في يونيو 2022 أن تجربة مصر توضح أننا نلجأ الى مؤسسات بريتون وودز للحصول على تمويل بشكل متكرر. تضيق الأمور ثم تنفرج، ثم تضيق، …، إلخ. ولكن الشىء الثابت الوحيد هو استمرار تدهور قيمة الجنيه المصرى واتساع نطاق الفقر عبر الزمن. نعم، فهذه هي النتيجة التي انتهيت إليها من الدراسة العلمية الدقيقة، والمنشورة، لجميع اتفاقات مصر السابقة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تحت مسمى برامج الإصلاح الإقتصادي. ولن يجدي مجرد عقد اتفاق مع الصندوق حول برنامج نسميه “الإصلاح الاقتصادي” ونحصل بموجبه على “تمويلات” (بلغة حكومتنا السنية). فنخرج به من أزمة لنقع في أزمة جديدة بعد عدة سنوات. ومن الخطأ أن نتصور أن الأزمة الحالية سببها الأساسي هو تداعيات العوامل الخارجية. بل السبب هو الضعف الشديد في الجسد الاقتصادي المصري، والذي يعود في جزء منه إلى السياسات الخاطئة للحكومة. إن اقتصادنا ليس لديه مناعة في مواجهة الصدمات: فهو اقتصاد ريعي، هش، وتابع. تنتشر فيه أعراض المرض الهولندي، وتعشش فيه الاحتكارات. والنتيجة هي غياب الكفاءة والعدالة. وبالإضافة إلى الضعف البنيوي الناتج عن إهمال الزراعة والصناعة، لدينا خلل خطير في الإدارة الاقتصادية الكلية.
مبادئ علم الاقتصاد تكشف عن وقوع اقتصادنا في دوامة الثالوث المستحيل (ImpossibleTrinity) “. فالحكومة تعرف أن رؤوس الأموال الساخنة لها مخاطرها الشديدة على الاستقرار. وقد اعترف بذلك وزير المالية ورئيس الوزراء عندما اشتكى الاثنان من خروج أكثر من 20 مليار دولار خلال شهر مارس 2022! ومع ذلك، تُكرر الحكومة نفس الخطأ بإعلانها الالتزام بحرية الحركة لتلك الأموال. كما أن بيانات مشروع الموازنة الجديدة تؤكد تمادي الحكومة في سياسة الاقتراض الجزافي، متخطية بذلك مبادئ الحصافة المالية. فطبقًا للبيان المالي الذي أعدته الحكومة ومرره مجلس النواب منذ أيام “إن إجمالي التمويل الذي تحتاج إليه الموازنة العامة للدولة لا يقف عند حدود العجز الكلي … بنحو 1.243.022 مليون جنيه، وإنما يمتد الأمر إلى البحث عن مصادر تمويل لتغطية أقساط القروض المحلية والخارجية والمقدر لها … نحو 1.606.181 مليون جنيه” (صفحة 155). أي أن الحكومة تعقد قروضًا جديدة لسداد الديون القائمة. ناهيك عن البيع الاضطراري للأصول بثمن بخس، كما تشهد بذلك صفقة الفنادق التاريخية ومؤخرًا صفقة رأس الحكمة. إن هذا الاقتراض هو ما حذر منه الاقتصادي الأمريكي الشهير هيمان مينسكي، وأطلق عليه اسم ائتمان المقامرة (Ponzi Credit)، مؤكدًا أنه يخلق الهشاشة المالية ويقوض الاستقرار الاقتصادي.
أما عن التجربة التاريخية لمصر، فيكفي أن نذكر إجراءات لجنة جوشين-جوبير عام 1877، ثم إرغام الخديو إسماعيل على قبول حكومة تضم وزيرين أوروبيين (إنجليزي وفرنسي) للإشراف على مالية البلاد، وانتهاء بالاحتلال البريطاني لمصر عام 1882. يعني: الإفراط في الاستدانة أدى إلى إحكام السيطرة الأجنبية على مالية البلاد، وانتهى بالاحتلال العسكري البريطاني الذي دام أكثر من سبعين عامًا. هذا هو درس التاريخ، أهديه لحكومتنا السنية. لعلهم يتعظون.

التعليقات متوقفه