الردع النووي الروسي واحتمال تغيير العقيدة النووية الروسية

22

في زيارته الأخيرة لفيتنام تحدث الرئيس فلاديمير بوتين عن السلاح النووي الروسي وإمكانية استخدامه، وقال إن بلاده تفكر في تغيير عقيدتها النووية وربط الرئيس بوتين ذلك بأن العدو المحتمل يعمل على ذلك (على ضوء عملية روسيا العسكرية في أوكرانيا)، وفسر قوله بأن البعض يعمل على خفض الظروف التي من المحتمل استخدام السلاح النووي فيها. وتحدث الرئيس الروسي عن أنهم في الغرب يفكرون فيما يعرف بالتفجيرات النووية الصغيرة جداً، وقال إن روسيا تعرف أنه من الممكن استخدام هذه الأسلحة، وليس هناك شيء فظيع في ذلك، لكن على موسكو أن تأخذ الأمر بعين الاعتبار.

الرئيس الروسي قال كذلك إن السلاح النووي الروسي الاستراتيجي على أهبة الاستعداد في أي وقت، ولذلك فإن ما يقومون به في الغرب لا يقلقنا بدرجة كبيرة، لكننا نراقب وفي حالة تنامي التهديد، سنتخذ الإجراء المناسب. لكن أهم ما قاله الرئيس بوتين أن بلاده لن تقوم بضربات نووية وقائية، وأشار إلى هذا لا يلزمنا في العقيدة النووية، لأن الرد الروسي سيكون من القوة يدمر العدو. وتحدث الرئيس بوتين، على ضوء هذا، عن احتمال تغيير العقيدة النووية الإستراتيجية الروسية.

كان الرئيس بوتين في منتدى فالداي قد تحدث عن احتمالين لاستخدام روسيا للسلاح النووي في النزاع الحالي مع أوكرانيا والغرب، عندما قال هناك سببان من الممكن أن يجعلا روسيا تستخدم السلاح النووي، الأول أن يستخدم السلاح النووي ضدنا، واستخدامنا سيكون رداً، أما السبب الثاني وفق الرئيس بوتين فهو وجود تهديد وجودي للدولة الروسية. كثر الحديث عن استخدام الأسلحة النووية في الفترة الأخيرة من جانب روسيا، خاصة في ظروف النزاع الروسي – الأوكراني ودعم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لأوكرانيا وإمدادها بالسلاح، ولكي يخفف الغرب من وطأة ذلك عليه من جانب روسيا التي تهدد باستخدام السلاح النووي، كانت دول الغرب تشترط على كييف عدم استخدام الأسلحة المقدمة لها في ضرب الأراضي والعمق الروسيين.

العقيدة النووية الروسية كانت تهدف كما هو منصوص فيها في الأساس على أنه يمكن استخدام السلاح النووي في الحالات التالية: نشر سلاح نووي بالقرب من الحدود الروسية أو بالقرب من أراضي الحلفاء، سواء كان هذا الانتشار في المناطق البحرية أو البرية، كما أن روسيا لديها حساسية من نشر نظم مضادة للصواريخ أو صواريخ مجنحة أو باليستية متوسطة وقصيرة المدى دقيقة غير نووية وبسرعات فرط صوتية أو أسلحة ذات طاقة موجهة، وقد تستخدم روسيا السلاح النووي في حالة نشر سلاح مضاد للصواريخ في الفضاء الخارجي أو منظومات هجومية، أو وجود سلاح نووي أو أي أسلحة دمار شامل من أي نوع يمكن استخدامها ضد روسيا أو أي من حلفائها، وجود سلاح نووي خارج السيطرة ووسائل توصيله (صواريخ أو طائرات أو غيرها)، وأخيرا نشر سلاح نووي ووسائل توصيلها على أراضي دول غير نووية.

ومع التوتر مع أوكرانيا والغرب أضافت روسيا لعقيدتها النووية نقطتين مهمتين أنها ستستخدم السلاح النووي في حال وصول معلومات مؤكدة عن انطلاق صواريخ باليستية لمهاجمة الأراضي الروسية أو أرض حلفائها، أو في حالة قيام العدو بالتأثير على هدف مهم في الدولة داخل روسيا، وخروج هذا الهدف أو المنشأة عن الخدمة يعيق عمل الرد النووي، وهذه نقطة مهمة حيث من الممكن أن تؤثر الدول الغربية على عملية إطلاق السلاح النووي من خلال الهجمات السيبرانية.

الولايات المتحدة من جانبها وفي عقيدتها النووية تنص على نفس الظروف التي تعطي روسيا لنفسها الحق في استخدام السلاح النووي، وهي الحالات التي ليس فقط يتم استخدام السلاح النووي ضدها ولكن أيضاً الشعور بالخطر. هناك اختلاف في العقيدتين النوويتين لروسيا والولايات المتحدة، حيث تنص عقيدة الثانية على أنها يحق لها استخدام ترسانتها النووية على سبيل المثال للحد من خسائرها أو إنهاء نزاع بشروط ملائمة أو أكثر فائدة للولايات المتحدة أو حلفائها أو شركائها. وتنص العقيدة النووية الأمريكية، وهي في هذا تشبه الروسية، على استخدام السلاح النووي في حالة ما إذا توصلت واشنطن إلى اعتقاد راسخ أنها ستخسر نزاعا، أو ستفقد السيطرة أو حتى تصعيد نزاع ما للتوصل إلى حل سلمي بشروط أفضل للولايات المتحدة، وهذه كان منصوصا عليها في عقيدة 2019.

ورغم الحديث في العقيدة العسكرية عن “أسس” فإن القيادة الروسية لا تفترض شيئا وفق الخبراء. لا يوجد أي نص لاستخدام النووي لإنهاء أي نوع من النزاعات بشروط أفضل لروسيا (مثال الولايات المتحدة واليابان 1945)، لكن روسيا تتحدث عن الردع النووي فقط بحيث تمنع الهزيمة، وليس بينها ما يمكن أن يؤثر على قرار استخدام السلاح النووي. في الوقت الحالي تمتلك روسيا ترسانة نووية مكونة من الصواريخ الإستراتيجية والقوات البحرية الإستراتيجية والطائرات الإستراتيجية، وجميع هذه الوسائل في قمة جهوزيتها كما قال الرئيس بوتين في فيتنام.

وتشير وسائل إعلام متخصصة إلى أن 70% من قوات الردع النووية الروسية موجودة على الأرض، ومركبة على صواريخ تحملها، باقي الصواريخ موجود في البحر وعلى طائرات استراتيجية، بالنسبة للولايات المتحدة العكس، حيث 80% من قواتها الإستراتيجية النووية توجد على صواريخ تحملها سفن تجوب البحار و 10% تحملها طائرات استراتيجية والعشرة بالمائة الباقية منتشرة على الأرض.

لكن مع استمرار العملية العسكرية الروسية والتهديد المتزايد للأراضي الروسية في الوقت الذي يمد فيه الغرب أوكرانيا بأسلحة نوعية يمكنها أن تصل إلى أماكن حيوية داخل روسيا، كما أن هذه الأسلحة مجرد وجودها في أوكرانيا يمثل تهديدا للأراضي الروسية ولحليفة روسيا بيلاروسيا، وبعد تصريح الرئيس بوتين أثناء زيارته الأخيرة لفيتنام عندما قال إن بلاده لن تقوم بضربة وقائية نووية، لأنها قادرة على الرد في حال تعرضها لضربة نووية بحيث تعجز العدو.

بعد هذا التصريح تسلم الراية نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف، الذي قال إن روسيا من الممكن أن تدخل تعديلات على عقيدتها النووية على ضوء الخبرة التي اكتسبتها من خلال النزاع الدائر حالياً مع أوكرانيا. وأضاف ريابكوف إلى أنه ربما حان الوقت الذي “يمكن فيه إدخال تعديلات على الأسس الجيوسياسية للردع النووي” لكن نائب وزير الخارجية الروسي لم يتحدث عن تعديل بمفهومه الواسع، لكنه أشار إلى تدقيق، وفق قوله، يعكس الخبرة التي اكتسبتها روسيا أثناء العملية العسكرية بأوكرانيا، عندما لم يؤخذ الردع النووي كإجراء يمكن إعماله كما يجب.أضاف نائب وزير الخارجية أن روسيا ستفعل أي شيء لتحقيق أمنها، وأشار إلى أن “المستفزين الغربيين” يجب أن يفهموا هذا، وفي نفس الوقت أكد ريابكوف أنه يجب فعل كل شيء حتى لا ننزلق إلى استخدام السلاح النووي.

لكن نائب رئيس مجلس الفيدرالية الروسي (مجلس الشيوخ) كونستنتين كوساتشوف، تحدث عن إن التغيير في العقيدة النووية الروسية يجب أن يكون مرتبطاً بالتهديدات التي تواجهها بلادنا. وأضاف كوساتشوف أننا نرى حالياً كيف يتحرك الغرب للأمام بالتدريج، على أمل أن تسمح روسيا له بالدخول بجودة وكم أكثر.

أما صحيفة “فزجلياد” الروسية ذات الميول الليبرالية فأشارت إلى أن التغيير في العقيدة النووية الروسية، يمكن أن يحدث في حالة تزايد التهديدات والتحديات، حينها يمكن أن يأتي الوقت المناسب فيما يتعلق باستخدام السلاح النووي، وذلك وفق تصريح الجنرال السابق وعضو البرلمان الروسي أندريه كارتابولوف، الذي أضاف أن تغيير العقيدة النووية يعتمد على التغيرات في الأوضاع السياسية والعسكرية، إذا رأت روسيا تناميا في التهديدات التي تهدد وجودها، فإن تغيير العقيدة النووية يجب أن يكون بحيث يسمح باستخدام السلاح النووي. بالطبع كل هذه التصريحات مبنية على تصريحات الرئيس بوتين، والتي أشار فيها إلى أن بلاده تفكر في إدخال تعديلات على العقيدة النووية الروسية.

جاءت تصريحات الرئيس بوتين في إطار النشاط الغربي المحموم لتزويد أوكرانيا في الفترة الأخيرة بأسلحة نوعية وصواريخ من الممكن أن تصل إلى أماكن مهمة في العمق الروسي، ونحن هنا لا نتحدث عن الطائرات المسيرة والتي تتعامل معها وسائل الدفاع الروسي باحترافية عالية، لكن الحديث هنا عن المدفعية الصاروخية من طراز “هايمرز” والتي يبلغ مداها 300 كم وكذلك صواريح “أتاكمس” الأمريكية والبعيدة المدى نسبياً. وكما قلت قبل ذلك الصراع في أوكرانيا غربي – روسي ولا يقبل القسمة على اثنين لأن الولايات المتحدة خرجت بعار شديد ومهزومة في أفغانستان وهزيمتها في أوكرانيا القائمة حتى الآن، تجعلها تفقد هيمنتها وقطبيتها في العالم، وروسيا سيكون موقفها صعبا مع حلفائها في دول الاتحاد السوفيتي السابق وخاصة وسط آسيا، ناهيك عن دول أفريقية مدت روسيا جسور صداقة وتحالف خاصة دول الساحل الأفريقية وليبيا والسودان. لا أحد يستطيع التكهن بما سيحدث لكن في تقدير الخبراء استخدام السلاح النووي سواء التكتيكي أو الاستراتيجي غير وارد وربما تجد روسيا والولايات المتحدة طريقة للخروج من النزاع دون أن يفقد أي منهما وجاهته الدولية؟، ربما لهذا السبب تحدث الرئيس عن العقيدة النووية الروسية، ودائماً عن الحلفاء ليفهموا أنهم مشمولون بالمظلة النووية الروسية.

 

التعليقات متوقفه