د.جودة عبدالخالق يكتب :أمريكا: محاولة اغتيال أم تصدع نظام؟

 

مشهد مثير للغاية، يوم السبت 13 يوليو. دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق ومرشح الحزب الجمهورى لمنصب الرئيس في الانتخابات القادمة في نوفمبر، يعتلى منصة تم تركيبها في فضاء مفتوح ويخاطب جمهوره في بنسلفانيا. وشاب فى العشرين من العمر يعتلى بناية قريبة ويصوب بندقية آلية باتجاه ترامب على المنصة. فجأة، يُسمَع صوت طلقات رصاص ويُشاهَد ترامب يختفى تحت المنصة تجنبًا للخطر. ثم يظهر محاطًا بحرسه الخاص وهو يغادر مكان الاجتماع والدم يتدفق من أذنه اليمنى. فقد أصابت إحدى الرصاصات طرف أذنه. ما حدث كان على ما يبدو محاولة اغتيال. ولكن، إذا تأملنا السياق العام الذى جرى فيه الحادث، نكتشف أننا نعيش مرحلة تصدع مزدوج. أقصد جدلية العلاقة بين تصدع النظام السياسى في بلاد العم سام، وتصدع نظام العولمة الذى ابتدعه الأمريكان.

فالديمقراطية الأمريكية أصبحت تعانى من مشكلات كبرى. ولكى نفهم جوهر الخلل في مجال السياسة- وتحديدا النظام الديمقراطى القائم على التداول السلمى للسلطة بين الأحزاب المتنافسة، علينا أن نفتش عن التحولات العميقة في مجال الاقتصاد. ومعلوم أن الطبقة الوسطى هي رمانة الميزان في أى مجتمع. هى الأساس الصلب للديمقراطية. وكلما انتعشت هذه الطبقة، زادت فعالية النظام القائم على التداول السلمى للسلطة من خلال التنافس بين عدة أحزاب. والملاحظ هو أن الطبقة الوسطى في أمريكا يتقلص حجمها بشدة مقابل تمدد شرائح أغنياء القمة وفقراء القاع. المجتمع الأمريكي يعانى من استقطاب اجتماعى متزايد على امتداد نصف القرن الماضى. واللامساواة في الدخل في تزايد مطرد، بحيث بلغت حاليا أعلى مستوياتها منذ ما قبل الكساد العظيم. يعنى منذ حوالى قرن كامل. فطبقا للبيانات المتاحة لعام 2023، يمتلك الـ 10% من الأمريكيين على قمة الهرم الاجتماعى أكثر من ثلثى ثروة البلاد. وهناك من يتحدث عن العصر المُذَهَّب الجديد.

يضاف إلى ما هو حادث في أمريكا ما آلت إليه العولمة في كل مكان فوق الكوكب. انظر إلى اجتماعات وحلقات وتقارير المنتدى الاقتصادى العالمى الذى يتخذ من ديفوس في سويسرا مركزا له، ومنها ينفث سمومه في كل مكان مروجا للعولمة. وانظر الى سَدَنَة العولمة وكَهَنَة الأسواق في مؤسسات بريتون وودز وتوابعها في الجامعات ومراكز الأبحاث. إن كل هؤلاء من دعاة العولمة بَشَّروا الناس بالجنة، ولكن الناس اكتشفوا أنهم يبحثون عن الفردوس المفقود. فبدلا من الرخاء للجميع، زادت أعداد العاطلين والمشردين. وتمددت أحزمة الفقر وأكواخ الصفيح حول المدن. وكل ذلك أفرز مزاجًا اجتماعيًّا ينذر بالخطر. فتعميم النموذج الغربى القائم على العولمة والتصنيع والتحديث يعصف بالبنى التقليدية في المجتمعات ويعجز عن تحقيق المساواة والارتقاء الاجتماعى والسعادة الموعودة. فتكون النتيجة أن يتملك الغضب شرائح عريضة من المجتمع تشعر أن قطار “التقدم قد فاتها”، وينتابها قلق عميق بشأن المستقبل.

ربما يكشف لنا هذا السياق، سياق الحداثة والعولمة وما يفرزه من استقطاب وتهميش حاد وما يخلقه من غضب، بعض الأسباب التي جعلت الشاب العشرينى توماس ماثيو كروكس يقرر اغتيال ترامب. وربما تكشف التحقيقات عن معلومات حول شخصية كروكس ودوافعه لقتل ترامب. لكن هذا في تقديرى لن يفيد كثيرا في فهم ما جرى. فنحن هنا أمام ظاهرة اجتماعية واسعة، وليس واقعة جنائية منعزلة. السياق العام الذى أشرنا إليه هو الأصل، ومحاولة الاغتيال هي الفرع. إن الشاب الذى أطلق الرصاص هو ابن عصر الغضب. وربما رأى في دونالد ترامب رمزًا، أو حتى تجسيدًا، لسبب شعوره بالغضب. رمزًا أو تجسيدًا لتزاوج المال والسياسة والفساد في ظل العولمة.

 

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy