حجج ترامب لصالح الحرب على إيران تواجه تدقيقاً متزايداً
في سعيه لتبرير الحرب على إيران، أطلق فريق إدارة ترامب جملةً من الاتهامات بشأن التهديدات التي يمثّلها النظام الإيراني لجيرانه، وللقوات الأمريكية، بل وللأراضي الأمريكية ذاتها.
غير أن مسؤولين أمريكيين ومشرّعين مطّلعين على معلومات سرية، فضلاً عن خبراء أمضوا مسيرتهم المهنية في تحليل البيانات العامة والتقارير الحكومية، أكدوا أن ادعاءات الإدارة إما منقوصة، أو لا سند لها، أو خاطئة كلياً.
ومن المتوقع أن تتصاعد حدة هذه التساؤلات مع إجراء مسؤولي الإدارة إحاطاتهم أمام الكونغرس هذا الأسبوع.
وفي هذا الشأن وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال اليوم ، قال” مايكل سينغ”، الذي تولّى ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض إبان عهد الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش: “لجأت الإدارة إلى روايات متضاربة وغير دقيقة في كثير من الأحيان لتفسير أسباب دخولنا هذه الحرب، وما نسعى إلى تحقيقه، والكيفية التي ننوي بها بلوغ أهدافنا. لا أعتقد أن الإدارة تعمّدت التضليل، لكن المرء يخرج بانطباع أنها تبني الطائرة في أثناء طيرانها.”
وكان الرئيس ترامب قد صرّح يوم الثلاثاء في المكتب البيضاوي بأنه كان يعتقد أن إيران “كانت ستشنّ الهجوم أولاً”، مستعرضاً دوافعه للإقدام على ضربها.
وأضاف: “لم أكن أريد لذلك أن يحدث.” وحين سُئل عمّا إذا كانت خطط إسرائيل للهجوم على إيران قد أجبرته على اتخاذ قراره، ردّ الرئيس قائلاً: “لا، بل ربما أنا من أجبر إسرائيل على الإقدام.”
وأشار إلى أن هذا القناعة تبلّورت لديه خلال مفاوضات مع طهران.
وقال: “كنّا نجري مفاوضات مع هؤلاء المجانين”، في إشارة منه إلى إيران، مضيفاً: “كان رأيي أنهم كانوا سيهاجمون أولاً.”
في غضون ذلك، أكد عدد من كبار مسؤولي الإدارة في الأيام الأخيرة أن الولايات المتحدة لا تستطيع إتاحة أي هامش لإيران لتطوير صاروخ باليستي عابر للقارات أو إحياء برنامجها النووي. وأصرّوا على أن الضربة الاستباقية كانت أجدى، في ظل بلوغ الاقتصاد الإيراني والنظام الحاكم مستويات ضعف لم يشهداها منذ سنوات.
بيد أن عدداً من المشرّعين والمسؤولين الأمريكيين أفادوا بأن إيران كانت بعيدة كل البعد عن امتلاك القدرة على صنع سلاح نووي، حتى وإن سعت طهران إليه. كما أشاروا إلى انعدام الأدلة التي تدعم ادعاء ترامب بأن إيران يمكنها المضي سريعاً نحو تطوير صاروخ قادر على الوصول إلى الأراضي الأمريكية. أما اتهامها بالتخطيط لمهاجمة أهداف أمريكية في الشرق الأوسط بصورة استباقية، فقد استند في الأساس إلى سيناريو تحرّك إسرائيل أو الولايات المتحدة لضرب إيران أولاً.
في المقابل، نفى المتحدث الرئيسي باسم البنتاغون شون بارنيل أن تكون الإدارة قد غيّرت مسوّغاتها لهذه العملية، مؤكداً أن الأهداف ظلت منذ البداية ثابتة، تتمثل في: تدمير القدرة الصاروخية النووية الإيرانية، والقضاء على قواتها البحرية، ووقف وكلائها الإرهابيين عن زعزعة استقرار العالم، والحدّ من استخدام النظام للعبوات الناسفة على جوانب الطرق التي أودت بحياة الآلاف من أبناء القوات المسلحة الأمريكية.
وأردف بارنيل: “المهمة لم تتغير، والمعلومات الاستخباراتية لم تتغير، وأمريكا ستنتصر.”
غير أن تفسيرات إدارة ترامب لما بات كبار المسؤولين يصفونه صراحةً بـ”الحرب” قد شهدت تحولات على مدار أسابيع عدة.
ففي يناير الماضي، هدّد ترامب بشنّ ضربات رداً على القمع الدموي الذي مارسه النظام الإيراني بحق المحتجين المناهضين له، إلا أنه لم يأمر بتنفيذها. ثم انصبّ تركيزه على تفكيك البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيَّين عبر التفاوض، قبل أن يستند لاحقاً إلى العدوانية الإيرانية الممتدة عبر عقود تجاه الولايات المتحدة، ولا سيما دورها في مقتل عناصر من القوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.
أما في المرحلة التي سبقت الهجوم الذي أودى بحياة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار الشخصيات الإيرانية، فقد انتقل كبار مسؤولي الإدارة إلى الاستناد إلى معلومات استخباراتية وصفوها بأنها مثيرة للقلق، جاعلين منها لبّ حجتهم لتبرير العمل العسكري. وأكد هؤلاء المسؤولون أن إيران تطوّر صواريخ عابرة للقارات قادرة على بلوغ الأراضي الأمريكية، مشيرين إلى حصول الولايات المتحدة على معلومات استخباراتية جديدة في الأشهر الأخيرة تكشف عزم طهران على بناء هذا السلاح.
واستند هذا التقدير جزئياً إلى أدلة جُمعت إثر عملية مداهمة أمريكية لسفينة في المحيط الهندي كانت تنقل شحنات ذات طابع عسكري من الصين إلى إيران في ديسمبر الماضي، وفق ما أفاد به مسؤولون أمريكيون. وأوضح أحد هؤلاء المسؤولين أن قوات العمليات الخاصة الأمريكية صعدت إلى السفينة وصادرت البضائع ذات الصلة العسكرية المتجهة إلى إيران.
بيد أنه لم يُعثر على أي دليل يشير إلى أن مساعي طهران لامتلاك صواريخ عابرة للقارات قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة كانت على وشك التحقق، وفق ما أفاد به مشرّع مطّلع على هذه التقديرات. وكانت تقييمات استخباراتية أمريكية حديثة قد خلصت إلى أن إيران لن تكون قادرة على تطوير عشرات الصواريخ في أقل من عقد من الزمن.
وأشار فريق ترامب إلى وجود تهديد آخر أكثر إلحاحاً أسهم في دفع عجلة هذا القرار.
ففي مكالمة مع الصحفيين يوم السبت، كشف مسؤول رفيع في الإدارة أن من بين دوافع الرئيس لشنّ الضربة احتمال إقدام إيران على مهاجمة الأصول الأمريكية في الشرق الأوسط بصورة استباقية، وأن المزيد من الانتظار قد يُفضي إلى كارثة. وكان هذا السيناريو قد جرى عرضه قبل أيام على “مجموعة الثمانية”، وهي مجموعة تضم كبار الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس الممثلين في المناصب القيادية العليا، ممن يطّلعون على أكثر المعلومات الاستخباراتية الأمريكية حساسيةً في الشؤون الأمنية.
غير أن مشرعين ديمقراطيين ومساعدين مطّلعين على الإحاطة أفادوا بأن المسؤولين أوضحوا خلالها أنه في حال أقدمت إسرائيل على ضرب إيران أولاً – وهو ما كان المسؤولون يرونه أمراً مرجحاً للغاية – فإن طهران قد تستهدف المنشآت الأمريكية في المنطقة خلال ضرباتها الانتقامية.
وفي هذا الإطار، صرّح السيناتور مارك وارنر من فيرجينيا، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ وعضو مجموعة الثمانية الذي حضر الإحاطة، في مقابلة أجريت معه يوم السبت قائلاً: “لم يكن ثمة أي تهديد وشيك يمسّ الأمن الأمريكي من شأنه أن يبرر تعريض قواتنا للخطر.”
وبحلول يوم الأحد، كان مسؤولو الإدارة قد تراجعوا عن ادعائهم الأولي بأن إيران كانت ستشنّ هجوماً استباقياً من تلقاء نفسها. وفي يوم الاثنين، أوضحت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن مبعث القلق الحقيقي هو ما قد تبادر إليه طهران في حال شنّت إسرائيل هجوماً من جانبها.
وفيما يتعلق بالطموحات النووية الإيرانية، قدّم مسؤولو الإدارة تصريحات علنية تتعارض مع التوافق السائد لدى دول أخرى وخبراء مستقلين، دون أن يطّلعوا المشرّعين على أي معلومات استخباراتية تدعم ادعاءاتهم.
وكان ستيف ويتكوف، كبير المفاوضين الأمريكيين مع إيران، قد أدلى بتصريحات لقناة فوكس نيوز الشهر الماضي أفاد فيها بأن إيران “ربما تكون على بعد أسبوع من امتلاك مواد صالحة لتصنيع قنابل بمستوى صناعي.”
في حين كانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد ضربتا المنشآت النووية الإيرانية الثلاث الرئيسية في يونيو الماضي، حيث أكد ترامب أنها قد دُمِّرت بالكامل. ولم يشهد البرنامج النووي الإيراني أي تقدم يُذكر منذ ذلك الحين، وفق ما أوردته الصحيفة في تقاريرها السابقة.

التعليقات متوقفه