تقرير مورغان ستانلي يكشف حجم الهشاشة الاقتصادية
في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، أصدر بنك مورغان ستانلي تقريراً استراتيجياً يرصد حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة على اقتصادات آسيا، موضحا للعلاقات التجارية بين اسيا والشرق الأوسط ، وحذر التقرير من أن القارة العملاقة تقف على حافة اضطرابات عميقة في سلاسل إمداد الطاقة والمواد الخام، قد تمتد آثارها من محطات توليد الكهرباء إلى الحقول الزراعية وخطوط تجميع السيارات
الهند في القلب، وتايوان وكوريا في دائرة الخطر
يكشف التقرير، الصادر في الحادي عشر من مارس 2026، أن الهند تتصدر قائمة الاقتصادات الآسيوية الأكثر اعتماداً على الشرق الأوسط كوجهة تصديرية، إذ يمتص الشرق الأوسط ما يناهز 13% من صادراتها الإجمالية. في المقابل، تبرز تايوان وكوريا الجنوبية وتايلاند بوصفها الأكثر هشاشةً أمام انقطاعات إمدادات الغاز الطبيعي المسال، نظراً لاعتمادها الكبير على هذه الواردات في توليد الكهرباء والتشغيل الصناعي.
ويصف التقرير كوريا الجنوبية بأن نحو 30% من استهلاكها من الغاز الطبيعي يأتي من الشرق الأوسط، فيما تبلغ هذه النسبة 28% لتايوان، ولا يمتلك كلاهما سوى أسابيع قليلة من الاحتياطيات؛ إذ لا تتجاوز تغطية مخزون الغاز الطبيعي في تايوان 10 أيام، وفي كوريا 15 يوماً. وهو ما يجعلهما في وضع بالغ الحساسية إذا ما تعطلت الإمدادات لفترة مطوّلة.
ما وراء النفط: الكبريت والهيليوم والأسمدة
يذهب التقرير إلى أبعد من المخاوف التقليدية المرتبطة بأسعار النفط، منبهاَ إلى خطر أشد وأعمق أثراً، يتمثل في اضطراب إمدادات مواد تبدو عادية لكنها عصب الاقتصاد الحديث.
فالشرق الأوسط يُمسك بزمام 45% من صادرات الكبريت العالمي، وهو مادة حيوية في صناعة الأسمدة والمواد الكيماوية. ويسيطر أيضاً على ثلث صادرات الهيليوم العالمي، ذلك العنصر النادر الذي لا غنى عنه في تصنيع أشباه الموصلات وأجهزة الرنين المغناطيسي الطبية. أما اليوريا وفوسفات الأمونيوم الثنائي والأمونيا، فيمثل الشرق الأوسط 22% من إمداداتها العالمية، في تهديد مباشر للأمن الغذائي الآسيوي.
وتمتد التداعيات المحتملة لتشمل: تراجع إنتاج الغذاء جراء شُح الأسمدة، واضطراب سلاسل تصنيع الرقائق الإلكترونية بسبب نقص الهيليوم، إضافةً إلى تأثيرات على صناعات السيارات والمطاط والصناعات الدوائية.
علامات تحذيرية مبكرة
لا يكتفي التقرير بالتحذير النظري، بل يوثّق مؤشرات ملموسة لبدء التأثير الفعلي. فقد أعلنت الهند عن تقنين الغاز الطبيعي المسال ورفعت أسعار غاز البترول المسال للمستهلكين. وفرضت كوريا سقفاً للأسعار وخفّضت الضرائب على الوقود. فيما لجأت تايلاند إلى إجراءات توفير الطاقة عبر العمل من المنزل، وطبّقت الفلبين نظام الأسبوع الرباعي لموظفي الحكومة.
وفي قطاع التكرير، بات عدد من الدول يُقلّص معدلات التشغيل لحفظ الاحتياطيات، في حين تحدّ كل من الهند والصين وتايلاند من صادراتها النفطية.
الفاتورة الاقتصادية: أرقام صادمة
تُقدّم أرقام التقرير صورة لافتة للحجم الكلي للتعرض الآسيوي. فبينما تستورد اليابان 93% من احتياجاتها النفطية من الشرق الأوسط، تستورد كوريا الجنوبية 67%، وتايلاند 55%. وتُسجّل تايلاند وكوريا وتايوان أكبر العجوزات التجارية في النفط والغاز كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إذ يصل العجز التجاري لتايلاند إلى 5.5% من ناتجها المحلي.
وعلى صعيد أسعار النفط، يُحذّر التقرير من أن استمرار سعر النفط عند 100 دولار للبرميل سيرفع عبء النفط الآسيوي إلى 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزاً المتوسط العشري البالغ 3%. كما يُقدّر أن كل ارتفاع في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات سيُضيف ما يقارب 40 نقطة أساس إلى معدل التضخم الآسيوي، مع تأثيرات أشد وطأةً في ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا والهند.
موجة صدمة في شحن الطاقة
ولا تقتصر الاضطرابات على أسعار الموارد، بل تمتد إلى تكاليف نقلها. ووفقا للتقرير فقد قفز مؤشر بورصة البلطيق للغاز الطبيعي المسال بنسبة فلكية بلغت 421% منذ السابع والعشرين من فبراير الماضي، فيما ارتفع مؤشر ناقلات النفط الخام بنحو 47% خلال الفترة ذاتها. ويُمثّل هذا الارتفاع في تكاليف الشحن عبئاً مضاعفاً على المستوردين الآسيويين الذين يدفعون ثمناً أعلى للمورد وأعلى لنقله في آنٍ واحد.
التداعيات الصناعية: تأثير الدومينو
يُحذّر خبراء بنك مورغان ستانلي من تأثيرات متسلسلة غير خطية كلما طالت مدة الاضطراب. ففي قطاع الزراعة، قد يؤدي شُح الكبريت والأسمدة إلى تقليص المحاصيل في دول مثل الفلبين وتايلاند اللتين تمتلكان أدنى الاحتياطيات (15 و20 يوماً على التوالي). وفي قطاع التكنولوجيا، قد يُعرقل نقص الهيليوم إنتاج الرقائق الإلكترونية في تايوان وكوريا. أما قطاع السيارات، فقد يعاني من تأثيرات مزدوجة نتيجة نقص البيوتاديين الداخل في صناعة المطاط، والبتروكيماويات الأساسية.
يرسم تقرير مورغان ستانلي صورةً لآسيا تقف عند مفترق طرق حرج: فمنطقة تستهلك ما يزيد على ربع طاقتها من مصادر مستوردة، ويُغطي الشرق الأوسط ما بين ثلث ونصف احتياجاتها النفطية، لا تملك ترف الانتظار طويلاً قبل أن تبدأ الاضطرابات بالتحول من ارتفاع في الأسعار إلى شُح في الكميات. والفارق بين السيناريوين بالغ الأثر على ملايين الصناعات والمزارعين والمستهلكين في القارة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم.

التعليقات متوقفه