الحرب في الشرق الأوسط تُعيد رسم خريطة التجارة الآسيوية كيف تهدد التوترات الجيوسياسية سلاسل الإمداد بين الشرق الأوسط وشرق آسيا؟
في لحظة فارقة من تاريخ الاقتصاد العالمي، باتت التوترات العسكرية في الشرق الأوسط تُلقي بظلالها الثقيلة على أبعد نقطة في الخريطة الآسيوية. فمن مصانع الرقائق الإلكترونية في تايوان، إلى حقول الأرز في تايلاند، ومصافي النفط في كوريا الجنوبية، تمتد خيوط الأزمة لتربط مصير الاقتصادات الآسيوية بما يجري على بُعد آلاف الأميال غرباً. وهو ما رصده بنك مورغان ستانلي في تقريره الصادر في مارس 2026، كاشفاً عن هشاشة بنيوية عميقة في العلاقة التجارية بين قطبَي الشرق الأوسط وشرق آسيا.
أولاً: الشرق الأوسط مورّداً لا غنى عنه
لفهم حجم المخاطر، لا بد من استيعاب طبيعة ما يبيعه الشرق الأوسط لشرق آسيا. فهي ليست مجرد نفط خام، بل منظومة متشابكة من المدخلات الصناعية الحيوية التي تدخل في صميم الاقتصاد الحديث.
على صعيد الطاقة، يُهيمن الشرق الأوسط على 44% من صادرات البيوتان العالمية، و34% من النفط الخام، و25% من البروبان، و19% من الغاز الطبيعي المسال. وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط لتأمين 93% من وارداتها النفطية، فيما تبلغ هذه النسبة 67% لكوريا الجنوبية، و55% لتايلاند. وهذه أرقام تعكس ليس مجرد تفضيلاً تجارياً، بل اعتماداً وجودياً يصعب تعويضه في المدى القصير.
أما على صعيد المدخلات الصناعية ، فتبدو الصورة أكثر تعقيداً وخطورة. فالشرق الأوسط يُمسك بزمام 45% من صادرات الكبريت العالمي المُستخدم في الكيماويات والأسمدة، و33% من الهيليوم الضروري لصناعة أشباه الموصلات، و30% من البولي إيثيلين عالي الكثافة المُدخَل في تصنيع البلاستيك، فضلاً عن حصص وازنة من الميثانول والستيرين والألومنيوم وعشرات المركبات الكيماوية الأساسية.
ثانياً: ما تبيعه آسيا للشرق الأوسط
لا تقتصر العلاقة التجارية على اتجاه واحد، فشرق آسيا بدوره يُصدّر للشرق الأوسط سلعاً تامة الصنع عالية القيمة. وتتصدر القائمة السيارات بمحركات الاحتراق الداخلي بحصة 7.4% من إجمالي الصادرات الآسيوية للمنطقة، تليها الهواتف الذكية بنسبة 6.1%، ثم المجوهرات والمعادن الثمينة بنسبة 3.1%. وتأتي منتجات نفطية مكررة وأجهزة الحاسوب وأجهزة التكييف ضمن قائمة الصادرات البارزة أيضاً.
وتحتل الهند موقع الصدارة في هذه التجارة، إذ تُوجّه 13.1% من صادراتها الإجمالية نحو الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها الأكثر انكشافاً على مخاطر تراجع الطلب جراء الاضطرابات الأمنية، تليها الصين بنسبة 4.3%، واليابان بـ 3.6%.
ثالثاً: الحرب تُعطّل المسار في الاتجاهين
انقطاع تدفق المدخلات نحو آسيا
يُركّز تقرير مورغان ستانلي على أن الخطر الأكبر لا يكمن في ارتفاع الأسعار فحسب، بل في احتمال توقف الكميات المُوردة كلياً أو جزئياً، وهو سيناريو مختلف جذرياً في تداعياته.
فبالنسبة للغاز الطبيعي المسال، تستورد الفلبين 40% من استهلاكها من الشرق الأوسط، والهند 31%، وكوريا 30%، وتايوان 28%. وفي حال الانقطاع، تواجه هذه الدول أزمة حادة لأن الاحتياطيات لا تكفي لسد الفجوة: فتايوان لا تمتلك سوى 10 أيام من الاحتياطيات، وكوريا 15 يوماً، وهامش ضيّق لا يُتيح الوقت الكافي لإيجاد بدائل. وقد بات التقرير يرصد علامات ملموسة لهذا الانقطاع؛ فالهند تُقنّن الغاز الطبيعي المسال فعلياً، وتايلاند تأمر موظفيها بالعمل من المنزل لتوفير الطاقة.
الكبريت والأسمدة: الحلقة الأكثر إيلاماً
تبدو أزمة الأسمدة من أشد الاضطرابات عمقاً وأبعدها أثراً. فأستراليا تستورد 37% من أسمدتها من الشرق الأوسط، والفلبين 24%، وكوريا وتايوان 19% لكل منهما. وفي دول كالفلبين وتايلاند، لا يتجاوز مخزون الأسمدة 15 و20 يوماً على التوالي، مما يعني أن استمرار الانقطاع أسابيع قليلة كافٍ لتهديد المواسم الزراعية وزعزعة الأمن الغذائي.
الهيليوم: الحرب تطال قلب التكنولوجيا
ثمة مفارقة لافتة تكشف عنها الأرقام: اضطرابات الشرق الأوسط قد تُوقف مصانع الرقائق الإلكترونية في تايوان وكوريا. فالشرق الأوسط يُمثّل 33% من صادرات الهيليوم العالمي، وهو غاز لا يمكن الاستغناء عنه في تبريد معدات تصنيع أشباه الموصلات وفي معدات التصوير الطبي. وأي اضطراب في هذا الإمداد سيُلقي بأثر فوري على أهم سلسلتَي إنتاج تكنولوجي في العالم.
تعطّل تدفق الصادرات الآسيوية نحو الشرق الأوسط
يسير الضرر في الاتجاهين. فالاضطرابات الأمنية في الشرق الأوسط تُقلّص الطلب على الصادرات الآسيوية من سيارات وهواتف ومعدات، في وقت يتراجع فيه دخل دول المنطقة النفطية أو تنشغل بأولويات الأزمة. وهذا ما يُفسّر حساسية الهند المضاعفة؛ فهي تعتمد على الشرق الأوسط كسوق لـ 13% من صادراتها، وفي الوقت ذاته تستورد منه 42% من نفطها الخام و31% من غازها الطبيعي المسال.
رابعاً: صدمة تكاليف الشحن تُضاعف الأزمة
لا يمكن فهم الصورة الكاملة دون النظر في ما حدث لتكاليف شحن الطاقة. فمنذ السابع والعشرين من فبراير 2026، ارتفع مؤشر بورصة البلطيق للغاز الطبيعي المسال بنسبة 421%، وهو ارتفاع غير مسبوق يعكس حجم الذعر في أسواق الشحن. كما قفز مؤشر ناقلات النفط الخام بنحو 47%، ومؤشر ناقلات المنتجات النفطية المكررة بنسبة 74%.
وتعني هذه الأرقام ببساطة أن المستوردين الآسيويين يدفعون فاتورة مزدوجة: ثمناً أعلى للمورد، وأعلى لنقله. وهو ما يُعمّق العجز التجاري في الطاقة لدول من بينها تايلاند التي تُسجّل أصلاً أكبر عجز في الميزان التجاري للنفط والغاز في المنطقة بـ 5.5% من ناتجها المحلي الإجمالي.
خامساً: تأثير الدومينو الصناعي
يُنبّه تقرير مورغان ستانلي إلى أن التأثيرات لن تبقى حبيسة قطاع الطاقة، بل ستتموّج عبر سلاسل إنتاج متشابكة في تأثير دومينو يصعب التنبؤ بنهايته.
فنقص البيوتاديين سيُعطّل صناعة الإطارات والمطاط الاصطناعي التي يعتمد عليها قطاع السيارات والنقل بأسره. وشُح البولي إيثيلين عالي الكثافة سيُثقل صناعة البلاستيك والتعبئة والتغليف في مختلف القطاعات. أما نقص الكبريت فلن يُؤثر على الأسمدة وحدها، بل يمتد إلى معالجة المعادن وصناعة البطاريات ومجموعة واسعة من التفاعلات الكيميائية الصناعية.
سادساً: هل ثمة مخرج؟
يُشير التقرير إلى أن الدول الآسيوية باتت تتحرك في عدة اتجاهات للحد من الأضرار. فبعضها يلجأ إلى تقليص معدلات تشغيل المصافي لحفظ الاحتياطيات، وبعضها يُقيّد صادرات المنتجات النفطية كما تفعل الهند والصين وتايلاند، فيما تبحث اقتصادات أخرى عن التحول نحو الفحم لتوليد الكهرباء باعتباره البديل الأكثر توفراً على المدى القصير.
غير أن هذه الحلول تظل مؤقتة وذات كلفة اقتصادية وبيئية. فالتحول إلى الفحم يعني ارتفاعاً في الانبعاثات وتراجعاً في مسيرة التحول الطاقوي، فيما يعني تقليص صادرات المنتجات النفطية تضرراً إضافياً لموازين المدفوعات الهشة أصلاً.
السيناريو الأخطر: امتداد الأزمة
يختتم التقرير بتحذير جوهري مفاده أن المدة هي المتغير الحاسم. فطالما بقيت التوترات قصيرة، يمكن احتواء الأضرار ضمن حدود الاحتياطيات المتاحة والبدائل الطارئة. لكن كلما امتدت الأزمة أسابيع وأشهراً، انتقلت من مرحلة الصدمة السعرية إلى مرحلة الشُح الفعلي، وهنا تبدأ التأثيرات غير الخطية: توقف مصانع، وتراجع إنتاج زراعي، واضطراب في خطوط إنتاج تكنولوجي تُعتمد عليه أسواق التقنية العالمية بأسرها.
تكشف هذه الأزمة عن حقيقة صادمة: إن أشد نقاط الضعف في الاقتصادات الآسيوية ليست في أسواق المال، بل في أنابيب النفط وناقلات الغاز وشحنات الكبريت والهيليوم التي تتدفق صامتةً عبر مضيق هرمز. فحين تشتعل الحرب في الشرق الأوسط، لا تُحرق فقط البنية التحتية المحلية، بل تُشعل أيضاً سلاسل إمداد تمتد آلاف الأميال لتصل إلى مصانع سيول وشنغهاي وتايبيه وطوكيو.
والرسالة الأعمق التي يُوجّهها تقرير مورغان ستانلي للصانع الآسيوي ومخطط السياسات الاقتصادية على حدٍّ سواء: الاعتماد المفرط على منطقة واحدة للإمداد ترف لا تستطيع الاقتصادات الحديثة تحمّله في زمن الاضطرابات الجيوسياسية.

التعليقات متوقفه