دراسة تكشف كيف تحاكي الفئران البشر في مواجهة الضغوط وقد تغيّر مستقبل علاج الاكتئاب

27

هل يمكن أن تكشف حياة الفئران أسرارًا جديدة عن الاكتئاب لدى الإنسان؟ سؤال بدا لسنوات أقرب إلى الخيال، لكن دراسة علمية أجرتها باحثة إسبانية فتحت بابًا واسعًا لفهم الكيفية التي يستجيب بها الدماغ للضغوط النفسية، بعدما أظهرت أن الفئران، مثل البشر تمامًا، تختلف في شخصياتها وطرق تعاملها مع التوتر والهزيمة والإحباط، وهو ما قد ينعكس مستقبلًا على تطوير أساليب أكثر دقة لعلاج الاكتئاب.

وانطلقت الدراسة من فرضية أن مجتمع الفئران لا يختلف كثيرًا عن المجتمع البشري، إذ يضم شخصيات متباينة؛ فهناك الفأر المسيطر والجريء، وآخر مسالم، وثالث خجول أو متردد، وآخر يفضل تجنب الصراعات.

ومن هذا التنوع، سعت الباحثة إلى رصد تأثير الضغوط النفسية في السلوك، والتغيرات الهرمونية، والاستجابات العصبية، ووظائف الجهاز المناعي لدى كل شخصية على حدة.

ولتنفيذ التجربة، جمعت الباحثة الإسبانية إنتيريتز جوميز، المتخصصة في علم النفس، خمسة ذكور من الفئران مع أنثى واحدة داخل قفص كبير، ثم أخضعت المجموعة لسلسلة من التجارب التي تضمنت التعرض لضغوط مختلفة، مثل الحرمان لفترات من الطعام أو الماء أو حرية الحركة، بالإضافة إلى افتعال مواجهات وصراعات بين الفئران، مع توثيق جميع التغيرات السلوكية وإجراء تحاليل دورية للدم والبول لرصد المؤشرات البيولوجية المصاحبة.

وأظهرت النتائج وجود تفاوت واضح في ردود الأفعال؛ إذ احتفظ أحد الفئران بمكانته المسيطرة، فكان يفوز بالطعام ويحظى باهتمام الأنثى ولم يتعرض للهزيمة في أي مواجهة، بينما انقسمت بقية الفئران بين من قاوم الضغوط وخسر، ومن اختار الانسحاب والاستسلام، متجنبًا المواجهة أمام الفأر الأقوى.

وكشفت الدراسة أن الضغوط النفسية لا تؤثر في جميع الفئران بالطريقة نفسها، بل تختلف الاستجابة تبعًا لطبيعة الشخصية.

فالفئران التي واجهت الضغوط بإيجابية أظهرت قدرة أكبر على التكيف والمقاومة، في حين تعرضت الفئران التي استسلمت للضغوط لتغيرات نفسية وبيولوجية تشبه إلى حد كبير المؤشرات المرتبطة بالاكتئاب لدى الإنسان.

ورصدت الباحثة أن هذه التغيرات لم تقتصر على السلوك، بل شملت مؤشرات فسيولوجية متعددة، ما يعزز فرضية أن طريقة التعامل مع الضغوط قد تلعب دورًا محوريًا في تطور الاضطرابات النفسية، وليس الضغوط نفسها فقط.

ولم تكتفِ الباحثة بنشر النتائج في دراسة علمية، بل وثّقتها أيضًا في فيلم وثائقي يُظهر أوجه التشابه اللافتة بين الإنسان والفأر في مواجهة الضغوط والانكسارات النفسية، وهو ما يمنح هذه النتائج أهمية خاصة في مجال الطب النفسي.

ويرى القائمون على الدراسة أن هذه النتائج قد تمهد لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة للاكتئاب، خاصة الحالات المصاحبة للأمراض المزمنة مثل السرطان، أو التي تظهر بعد العمليات الجراحية الكبرى كجراحات القلب المفتوح، من خلال فهم أعمق للتغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تطرأ على الجسم تحت وطأة الضغوط، بما يفتح آفاقًا جديدة لعلاجات أكثر فاعلية ودقة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy