الدولة المصرية العقبة الوحيدة في مخطط تقسيم الإقليم شمالًا وجنوبًا وشرقًا

مصر تقف حائلًا أمام التهجير القسري للفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية

28

 

الصراع الدائر في السودان يشكل خطرًا أمنيًّا على منطقة الساحل الإفريقي

انشغال السودان في الصراعات الداخلية يؤثر سلبًا على الموقف التفاوضي في قضية سد النهضة

 النازحون قنبلة موقوتة خاصة على مستوى دول الجوار غير المهيأة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة

 

أجري الحوار : علاء عصام

أكد دكتور وليد عتلم، الباحث المتخصص في الشئون الإفريقية، أن الصراع الدائر في السودان يشكل خطرا أمنيا على منطقة الساحل الإفريقي، مشيرًا إلى أن النازحين  بمثابة قنبلة موقوتة خاصة على مستوى دول الجوار غير المهيأة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة، وقال فى حواره لـ « الأهالى» إن انشغال السودان في الصراعات الداخلية يؤثر سلبا على الموقف التفاوضي في قضية سد النهضة، مؤكدًا أن الدولة المصرية العقبة الوحيدة في مخطط تقسيم الإقليم شمالا وجنوبا وشرقا، وقال إن مصر تقف حائلًا أمام التهجير القسري للفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية.. وإلى نص الحوار

** كيف نوصف الأزمة في السودان ؟؟

– الأزمة في السودان تجسيد حالة لتعدد المراحل الانتقالية وفشل تجارب التحول الديمقراطي؛ فالمرحلة الانتقالية التي بدأت عام 2019 ما بعد سقوط نظام عمر البشير، ليست الأولى، لكن رغم تعدد خبرات المراحل الانتقالية في السودان على مر تاريخه، لا تزال تتكرر ذات الأخطاء التي تؤدي إلى فشل التحول الديمقراطي دون استيعاب لتلك الأخطاء والعمل على عدم تكرارها. لكن ما يميز المرحلة الانتقالية القائمة في السودان عن التجارب السابقة هو تبني نموذج “تقاسم السلطة الشامل” الذي اشتمل على مظلة واسعة تضم الجيش السوداني، وميليشيات الدعم السريع، والمكون المدني ممثلًا في قوى إعلان الحرية والتغيير؛ ثم تقاسم السلطة على المستوى الإثني الإقليمي وفقاً لاتفاق جوبا الموقع في عام 2020، والذي ضم عددًا كبيرًا من الجماعات والحركات المسلحة خاصة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وذلك في إعادة لنمط “الاندماج الوظيفي” المتبع في التجارب السابقة.

لكن لا يمكن اختزال خلافات الجيش والدعم السريع في الموقف من الاتفاقية الإطارية ومسائل القيادة والسيطرة والفترة الزمنية للاندماج، وإنما بما يعنيه ذلك فيما يتعلق بصورة رئيسة في نفوذ قادة القوتين، بجانب توسع قوات الدعم السريع في التجنيد والتسليح ونشاطه التجاري النامي بقوة وتأسيسه لعلاقات خارجية منفصلة. كل هذا، جعل حميدتي أكبر مهدد للدولة ذاتها ناهيك عن الجيش. إضافة إلى ذلك، تعتقد القوى المدنية المنخرطة في العملية السياسية أن أنصار النظام السابق لعبوا دورًا في تأجيج هذه الخلافات، وهو ما جعل مصالح الطرفين متضاربة ومتقاطعة إلى حد النزاع المسلح.

لذلك؛ تحليل معمق لتاريخ وديمجرافيا السودان، وكما نقول التاريخ هو معمل السياسة؛ نجد أن أصل الأزمة في السودان يتجاوز المرحلة الحالية بفترة زمنية طويلة؛ تنطوي الأزمة الحالية في السودان على محددات عدة لها جذور كبيرة في المجتمع السوداني، ولا تزال تلقي بظلالها على واقع التحول الديمقراطي في السودان حتى تاريخه.

وما تلك المحددات؟

محدد الواقع التعددي للدولة السودانية وغياب الإجماع الوطني، حيث تعكس لنا السودان صورة مصغرة للقارة الإفريقية وما تنطوي عليه من تنوع وتعدد إثني، ديني، وثقافي، فالسودان يوجد به نحو 597 جماعة وهوية إثنية، ومن ثم فهو تجسيد حي لما يمكن أن تكون عليه إشكالية الاندماج الوطني وبناء الدولة الوطنية الجامعة في أفريقيا، وهي الإشكالية التي تتمثل في عجز الأنظمة السياسية المتعاقبة في السودان وفشلها في خلق إطار وأساس جامع للدولة الوطنية، نتيجة عدم قدرة تلك الأنظمة على التعاطي مع الواقع التعددي القائم، وما نتج عن ذلك من عدم عدالة في توزيع وتقاسم الموارد والثروة، ومن ثم عدم عدالة نماذج التنمية بين الأقاليم المختلفة، فتحول ذلك إلى بؤر مستمرة للصراعات، أدت تلك الصراعات إلى إضعاف السلطة التنفيذية وتراجع فاعليتها في إدارة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ومجابهتها.

الاندماج الوطني

في السياق العام اتبعت الدول الإفريقية ثلاثة نماذج للتعاطي مع إشكالية الاندماج الوطني، النموذج الأول تمثل في: الاستبعاد أو الفصل كما كان الحال في نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، والثاني أسلوب الدمج الإكراهي الذي اتبعته إثيوبيا. النموذج الثالث يتمثل في: أسلوب الاندماج الوظيفي، وهو النمط الذي اتبعته السودان منذ الاستقلال، والذي يأخذ أشكالاً عدة؛ بداية من تقاسم السلطة والثروة بين الجماعات والإثنيات المختلفة، ومرورًا بإعطاء الحكم الذاتي للجماعات والأقاليم المختلفة، أو إقرار الفيدرالية كشكل للدولة.

** وهل حقق الاندماج الوظيفي الاستقرار فى السودان؟

– لا.. ونتج عنه من مشكلات معقدة تقترن والعديد من المشكلات السياسية والأمنية والاجتماعية الأخرى في المجتمع السوداني، عزز من عمق وتأثير إشكالية الاندماج الوطني في السودان. حيث كانت ولا تزال الولاءات والانتماءات القبلية وحتى الشخصية للزعامات تعلو ما دونها من الانتماء الوطني للسودان ككل.

هذه التعددية انعكست أيضًا على واقع الجيش السوداني والأجهزة الأمنية خاصة في عهد البشير الذي عمل على خلق العديد من الكيانات والحركات المسلحة خارج إطار المؤسسة العسكرية والأمنية، من دون رسم خط واضح لتبعية تلك الكيانات للمؤسسة وخط تسلسل السلطة العسكرية والمالية سواء بالجيش السوداني أو داخل تلك الكيانات، وهو ما تمخض عنه حالة “ميليشيات الدعم السريع” التي تأسست في عام 2008 تحت زعم حماية المناطق الغربية في السودان. لتصبح ذات إطار رسمي عام 2013، وتتبع جهاز الاستخبارات والأمن الوطني السوداني في البداية. ثم تبعيتها المباشرة لرئاسة الجمهورية السودانية في عام 2016، ثم تبعيتها للقوات المسلحة السودانية بموجب القانون الذي أصدره البرلمان السوداني في عام 2017. حتى أصبحت تلك الميليشيات وقائدها طرفًا في المعادلة السياسية والأمنية في السودان ما بعد رحيل نظام البشير في 2019.

الميزان العسكري

الخطورة في الأزمة الحالية على مستوى العمليات والاشتباكات العسكرية على الأرض، ما يمكن أن نطلق عليه اختلال الميزان العسكري بين طرفي النزاع؛ فالجيش السوداني المفوض دستوريا بحيازة القوة في السودان يمتلك القدرة العسكرية التقليدية، بينما ميليشيات الدعم السريع بقيادة حميدتي تمتلك قدرات عسكرية غير تقليدية وأكثر تطوراً. مع تساويهما تقريبا في القوة البشرية، لكن النقطة الأكثر تعقيدًا هي انتشار قوات التدخل السريع على الخريطة السودانية بالكامل وفى أماكن متفرقة وكثيرة، وهو ما يتطلب انتشارًا كبيرًا جدًّا من القوات السودانية وملاحقة هذه القوات حتى يتم التخلص منها نهائيًّا. الأمر الذي يطيل أمد الصراع من جانب، ويعطي الفرصة لميليشيات الدعم السريع لإعادة التموضع والانتشار خاصة مع الدعم الخارجي. وهو ما يظهر بوضوح في تطور المعارك على الأرض؛ فالاشتباكات متصاعدة في العاصمة الخرطوم في ظل رغبة الجيش السوداني في فرض السيطرة الكاملة عليها، وفي المقابل ميليشيا الدعم السريع تحظى بالتقدم في بعض المناطق والولايات في ولاية غرب دارفور السودانية، ومدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، وأم درمان في غرب العاصمة السودانية.

كما تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة فيه على مدينتي نيالا وزالنجي الإستراتيجيتين، لتصل نسبة سيطرتها على مجمل مناطق الإقليم الأكبر في البلاد إلى أكثر من 70%، إضافة إلى نحو 90% من العاصمة الخرطوم ومدن ومناطق أخرى في إقليم كردفان.

** كيف ترى دور العوامل الخارجية وتأثيرها في الأزمة؟

– السودان شأنها شأن القارة الإفريقية ساحة رئيسية للتنافس الدولي والإقليمي منذ أمد بعيد، هذا التنافس الذي تتسارع وتيرته في سياق التحول نحو نظام دولي جديد يتسم بــ “التعددية القطبية”، وكذلك موقف دول الجوار الإفريقي ممثلة في إثيوبيا، إريتريا، كينيا، وأوغندا والكونغو، والتي طالما ما كانت فاعلة في النزاعات الداخلية السودانية، على سبيل المثال؛ دعمت إريتريا قوات وحركات البجا المتمردة وقبائل الرشايدة في شرق السودان في مواجهة النظام الحاكم في الشمال. في المقابل عملت كل من مصر دولة الجوار الأولى للسودان على التدخل المساند والمؤسس لاستقرار السودان، وهو الدور الذي تزداد فاعليته ومساحته ما بعد 2014، وحتى على مستوى الأزمة الحالية لما للسودان من أهمية إستراتيجية وروابط تاريخية بمصر.

كذلك أضحت السودان هدفاً للقوى الدولية الكبرى خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والصين وحاليًا روسيا في إطار التنافس على النفوذ وكذلك النفط حيث تمتلك السودان احتياطات نفطية واعدة تقدر بنحو 5 مليارات برميل، يكفي للتدليل على الأهمية الإستراتيجية المتزايدة للسودان في سياق ذلك التنافس إقرار الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1994 مبادرة القرن الإفريقي الكبير ليضم إلى جانب كل من إريتريا وإثيوبيا وجيبوتي والصومال، دول السودان، كينيا، وتنزانيا، ورواندا وبوروندي، وأوغندا. وبدأ سياق التنافس يتسارع ما بين الولايات المتحدة والصين في تلك المنطق فيما يعرف بدبلوماسية القواعد.

لذلك العامل الخارجي كان أحد أهم محفزات الصراع بين الطرفين بعد سقوط حكومة عبد الله حمدوك في 2021؛ حيث سعى كل من البرهان وحميدتي لتوطيد علاقاته الإقليمية والدولية، خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والكيان الإسرائيلي ودول الجوار، وهو ما أثار الانتقادات المتبادلة بين الطرفين، وخاصة الجيش السوداني، الذي انتقد بشدة تقارب حميدتي مع إثيوبيا والكيان الإسرائيلي.

وهو الأمر الذي حذرت منه مصر بشكل جلي في قمة القاهرة لدول جوار السودان، والذي أكد البيان الختامي لها على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة السودانية، والتأكيد على الاحترام الكامل لسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، والتعامل مع النزاع القائم باعتباره شأنا داخليا، والتشديد على أهمية عدم تدخل أي أطراف خارجية في الأزمة حتى لا يطيل أمدها.

 ** كيف تؤثر الأزمة على مصر ؟؟

– السودان دولة جوار ذات أهمية إستراتيجية كبيرة مصر، الدكتور جمال حمدان يقول إن المبدأ الإستراتيجي في الأمن القومي المصري ـــ وفق رؤية جمال حمدان – هو: دافع عن سيناء، تدافع عن القناة، تدافع عن مصر جميعًا، موقعًا وموضعًا. نفس الأمر بالنسبة للسودان فيما يتعلق بحدود مصر الجنوبية؛ دافع عن السودان، تدافع عن مصر. كما أن مصر دولة مسار بالنسبة لنهر النيل شريان الحياة الرئيسي للمصريين، وبالتالي أهمية السودان الإستراتيجية لمصر هي أهمية قصوى. خاصة على مستوى ملف “سد النهضة” الإثيوبي، السودان شريك رئيسي في قضية السد، ومصر بحاجة لموقف سوداني داعم في مواجهة التعنت الإثيوبي المستمر، وبالتالي انشغال السودان في الصراعات الداخلية يؤثر سلبًا على الموقف التفاوضي في قضية السد، يعطي الحجة والمبرر لإثيوبيا لتعطيل المفاوضات بحجة عدم وجود مفاوض سوداني أو حتى وجود إجماع سوداني داخلي في ضوء التقارب الكبير بين حميدتي وميلشيات الدعم السريع وبين النظام الإثيوبي، وارتباط حميدتي بعلاقة شخصية وخاصة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد.

كما أن الدولة المصرية منذ 2014 لديها مبادئ راسخة فيما يتعلق بدعم وحدة الجيوش الوطنية، وليس الميليشيات على شاكلة الدعم السريع.

هنا أشير لتحليل مهم لمجلة الفورين بوليسي ذائعة الصيت المتخصصة في العلاقات الدولية بتاريخ 24 إبريل 2023 أشارت فيه إلى أن صعود حميدتي في السودان يشكل تهديدا للاستقرار الإقليمي، وأنه يجب على الدول التي تفضل السلام على الفوضى أن تأمل في تحقيق نصر سريع للجيش على قوات الدعم السريع، خاصة في ظل الطموح الشخصي المتصاعد واللانهائي لقائد ميليشيا الدعم السريع. فأحد المحددات الفاعلة في الأزمة السودانية الحالية يتمثل في الدوافع الشخصية والطموح السياسي المتزايد لطرفي الأزمة خاصة على مستوى قائد قوات الدعم السريع، والذي بلغ مرحلة نائب مجلس السيادة الانتقالي، لكن على ما يبدو أنه يرغب في المزيد. وعلى الطرف الأخر تبدو قيادة الجيش السوداني غير راغبة في أن ينازعها طرف أخر على مستوى القيادة العسكرية في ظل تشابك الوضع وتعقده مع المكون المدني أيضًا.

والسيناريو الأسوأ في حال نجاح حميدتي في فرض سيطرته على مقدرات الأمور في السودان هو إن قائد قوات الدعم السريع سوف يعمل على اكتساب الشرعية داخلياً، وتوحيد الشعب السوداني خلف قضية قومية تضمن الاستقرار الداخلي، وهذا لن يتأتى إلا بتوجيه أنظار السودانيين نحو مصر، تحديدًا قضيتي سد النهضة، وحلايب وشلاتين، وبالتالي انتصار حميدتي في الصراع الدائر بالسودان ينقل المعركة إلى مصر بشكل أو بآخر.

لذلك الرؤية المصرية للصراع قائمة على فرضية مفادها أنه كلما كان السودان أكثر استقرارا كان ذلك في صالح الدولة المصرية على مستوى العديد من الملفات والقضايا، وعلى المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية للدولة المصرية.

** هل يؤثر الصراع الدائر في السودان على الأمن والسلم الإقليميين؟؟

– بالقطع له آثار سلبية كبيرة ممتدة؛ وتمثل تهديدا خطيرا للأمن والاستقرار الإقليميين، خاصة أن الأحداث في السودان تنذر بكارثة إنسانية، فالسودان يتشارك الحدود مع سبع دول أفريقية وعربية، كما أن الصراع الدائر في السودان يشكل خطرًا أمنيًّا على منطقة الساحل الأفريقي، التي تعاني بالأساس من انتشار التنظيمات المتطرفة داعش وغيره. والعديد من الدول تفتقد لوجود نظام أمن جماعي في منطقة القرن الإفريقي ،إذ تقوم كل دولة على شكل منفرد بحماية أمنها مع الاعتماد على دول أخرى، لذلك استمرار الصراع في السودان وامتداد نطاقه، يشكل خطرًا يتمثل في انتشار الأسلحة الصغيرة، التي يمكن أن تصل إلى الدول المجاورة عبر الثغرات الحدودية وقد يمتد ذلك إلى مناطق بعيدة في مالي وبوركينا فاسو. وانتشار الأسلحة سيؤدي إلى تدهور الوضع الأمني في منطقة الساحل، خاصة مع وجود نشاط لجماعات مسلحة، لذلك الأزمة في السودان قد تفاقم الوضع في “منطقتين متأزمتين” أصلا هما: منطقة القرن الإفريقي ومنطقة الساحل.

على المستوى الإنساني داخليا؛ وبعد أكثر من 200 يوم على احتدام القتال والاشتباكات في السودان، هناك تفاقم للأوضاع الإنسانية ومعاناة كبيرة للسكان من المدنيين، تجاوز عدد الضحايا حاجز الـ 11000 مواطن سوداني، كما أدت إلى نزوح ولجوء أكثر من ستة ملايين سوداني، وفق الأمم المتحدة. وتشريد نحو 8 ملايين إلى مناطق داخل وخارج البلاد؛ واستمر توقف أكثر من 70% من النشاط الاقتصادي، واتسعت رقعة الجوع لتطال أكثر من 24 مليون من سكان البلاد البالغ عددهم نحو 42 مليون نسمة.

هنا يمثل النازحون قنبلة موقوتة خاصة على مستوى دول الجوار غير المهيأة لاستقبال هذه الأعداد الكبيرة من النازحين، والسودان ما قبل النزاع الحالي، كان هناك 4.5 مليون سوداني في عداد النازحين اليوم تجاوز العدد حاجز الـــ 8 ملايين نازح داخليا وخارجيا. يعاني السودان من الصراعات والنزوح منذ اندلاع أزمة دارفور في عام 2003. وبحلول نهاية عام 2022، كان هناك أكثر من 3.7 مليون شخص من النازحين داخلياً، يعيش معظمهم في مخيمات في دارفور. ويعيش 800 ألف سوداني آخر كلاجئين في دول مجاورة مثل تشاد، وجنوب السودان، ومصر، وإثيوبيا.

في الوقت نفسه، كانت السودان ملاذًا لأكثر من مليون لاجئ – وهو ثاني أكبر عدد من اللاجئين في إفريقيا، معظمهم من جنوب السودان ويعيشون في ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض، لكن اللاجئين الفارين من الأزمة في شمال إثيوبيا اعتباراً من أواخر عام 2020 وجدوا أيضًا ملاذاً آمناً لهم في شرق السودان، فيما قدم آخرون من إريتريا وسوريا وجمهورية إفريقيا الوسطى. بعض الذين يفرون الآن من البلاد هم لاجئون يحاولون العودة إلى ديارهم أو إلى دول مجاورة أخرى، حتى لو كان ذلك يعني الذهاب إلى مناطق تفتقر للاستقرار أو غير جاهزة لاستقبالهم وهو ما يشكل خطراً كبيراً، لذلك يمثل السوان حاليا أكبر أزمة نزوح في العالم.

كما تتزايد الأوضاع الصحية سوءا في ظل خروج أكثر من 80% من المستشفيات عن الخدمة والنقص الحاد في الأدوية وانتشار الحميات والأمراض المعدية التي حصدت أرواح المئات في عدد من أقاليم البلاد. حيث تشير التقديرات إلى وفاة أكثر من ألف شخص من مرضى الكلى والأمراض المزمنة الأخرى بسبب نقص الأدوية والرعاية الطبية، وإصابة 100 ألف على الأقل بالملاريا ونحو 3500 بحمى الضنك و1450 بالكوليرا والاسهالات المائية خلال 3 أشهر بحسب منظمات الأمم المتحدة.

أما عن الاقتصاد السوداني فحدث ولا حرج، قدرت الخسائر الاقتصادية المباشرة بأكثر من 100 مليار دولار، يكفي للتدليل أن معظم الأسر السودانية فقدت مصدر دخلها لترتفع معدلات الفقر إلى أكثر من 60%.

كما توقف أكثر من 400 مصنع عن العمل تماما بعد اندلاع الحرب. كما أحدثت الحرب دمارا واسعا في البنية التحتية شمل جزءا كبيرا من شبكات المياه والكهرباء والطرق والجسور وغيرها من المرافق الحيوية. أكثر من 10 ملايين طالب سوداني خارج مقاعد الدراسة حتى الآن وسط جدل محتدم من استئناف محتمل للدراسة في ظل الأوضاع الأمنية والاقتصادية المعقدة حاليا. كل ذلك ثمن باهظ جدا للنزاع.

** ماذا عن السيناريوهات المتوقعة للصراع؟؟

– أولا قبل استعراض أي سيناريوهات يجب ألا ينسينا الوضع في غزة الأوضاع في السودان، وكلنا ثقة على كفاءة وقدرة المؤسسات المصرية على متابعة عديد الملفات في نفس الوقت رغم تعقدها وتشابك أطرافها.

فيما يتعلق بالسيناريوهات المتوقعة؛ أتصور إنه نتحرك في أربعة سيناريوهات رئيسية هي:

السيناريو الأول: تصبح الأزمة الحالية مرشحة للتطور والتصاعد إلى حد الحرب الأهلية الشاملة خاصة أن السودان له سوابق تاريخية في هذا الإطار، حيث شهدت السودان واحدة من أوائل وأقدم الحروب الأهلية على مستوى القارة الأفريقية في الفترة ما بين 1955 وحتى 1972، ثم 1983. وهو ما يعني استمرار فشل مشروع الدولة الوطنية في السودان.

السيناريو الثاني: نجاح الوساطات المصرية والعربية والدولية في التهدئة والتوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار بين طرفي النزاع، ثم المضي قدماً في إجراءات التحول نحو الحكم المدني في إطار من “التوافق والتكامل” ما بين المكون العسكري والمكون المدني، استنادًا لنظرية “التوافق” Concordance، لـ “ربيكا شيف” Rebecca Schiff، والتي تقوم على وجود مستوى من التوافق التكامل بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات الأخرى في المجتمع، وكذلك نظرية “تقاسم المسؤوليات” Sharing Responsibilities  لـ «دوجلاس بلاند» Douglas Bland الذي تناول العلاقات المدنية العسكرية على أساس المسؤولية المشتركة؛ وتقاسم المسؤوليات، والتوافُق في آراء السلطة المدنية والعسكرية داخل نظام يتمتع بالمرونة والديناميكية، بما يحقق مبادئ الديمقراطية.

غير أن هذا السيناريو يبقى مرهونًا بمحددين رئيسين، الأول؛ تجاوب المكون المدني مع هذا التوجه والمضي قدمًا في مرحلة انتقالية قصيرة نسبيًّا غير فترة الأربع سنوات التي يرغب فيها المكون المدني كمرحلة انتقالية. وهو ما قد يتغير بعد إعلان القوى المدنية السودانية عن تأسيس “التحالف المدني الجديد”، وهو التحالف الذي شهدت اجتماعاته التأسيسية مشاركة هي الأوسع والأشمل منذ تشكيل تحالف ثورة 2018؛ فإلى جانب قوى الحرية والتغيير وأطراف الاتفاق الإطاري الموقع في ديسمبر 2022 ورئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك؛ كما ضم التحالف ممثلي لجان المقاومة وشخصيات سياسية ومدنية وقادة رأي عام وتجمعات مهنية وحركات موقعة على اتفاق السلام السوداني في جوبا عاصمة جنوب السودان في أكتوبر 2020. وهو ما قد يمثل توحدًا في رؤى القوى المدنية السودانية بما ينعكس إيجابيًّا على الأوضاع في السودان.

خاصة أن الاجتماعات التأسيسية تناولت تطوير الموقف التفاوضي للقوى المدنية، والإصلاح الأمني والعسكري، وقضايا العدالة الانتقالية، وإعادة البناء المؤسسي لأجهزة الدولة (الخدمة المدنية والأجهزة العدلية)؛ إضافة إلى السلام ورتق النسيج الاجتماعي، ومحاربة خطاب الكراهية، وصناعة الدستور الدائم، والبرنامج الاقتصادي لإعادة البناء والإعمار، وقضايا الولايات والحكم المحلي.

والثاني؛ يتمثل في قدرة الجيش السوداني وبدعم من المنظمات الإقليمية في دمج الحركات والميليشيات المسلحة خاصة تلك التي لم يشملها اتفاق جوبا 2020 في إطار جيش وطني جامع بهوية وطنية سودانية وقيادة موحدة.

وانتهاءً تبقى الحاجة لوجود أساس من الإجماع والتوافق النسبي هو الأساس لأي تحول سلمي نحو الديمقراطية في السودان. ويبقى الدرس الأهم للأزمة في السودان من أهمية وضرورة وجود جيش وطني موحد يحتكر القوة الشرعية للحفاظ على مقدرات الدولة وأمنها، وعدم وجود كيانات موازية تنافس القوة الوطنية على القوة والنفوذ بما يهدد استقرار الأوطان. وضرورة مراعاة طبيعة وخصوصية المجتمعات التعددية ذات التنوع الإثني الثقافي، اللغوي والديني فيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، خاصة في المجتمعات حديثة العهد بالديمقراطية ذات التجارب التاريخية والمواريث السلبية في المراحل الانتقالية والتحول الديمقراطي كالدولة السودانية.

   ** هل ما يحدث في السودان ثم اشتعال الأوضاع في غزة والأراضي المحتلة يمثل ضغوطا على مصر؟؟

– بالطبع؛ خاصة مع احتمالية اتساع رقعة كلٍ من النزاعين في السودان وغزة؛ ولننظر حولنا إلى مخرجات ما أطلق عليه “الربيع العربي”، السودان دولتان شمال وجنوب، والشمال مرشح للانقسام أكثر وأكثر، ليبيا ثلاثة أقاليم بحكومتين، اليمن انقسم إلى شمال وجنوب، سوريا أصبحت ساحة مليئة بالتخبطات والتشابكات؛ العراق يحاول جاهدا لملمة أوراقه والحفاظ على سيادته الوطنية ولا يزال منهكاً من الحروب والنزاعات والإرهاب.

إذن الدولة الوحيدة الباقية الناجية من ذلك المخطط بفضل وعي شعبها في يونيو 2013، ثم قيادة وطنية منذ 2014 هي مصر، مصر هي نقطة ارتكاز واستقرار الإقليم بأكمله، عربيا، وشرق أوسطياً، ومتوسطياً، وأفريقياً. بالتالي تعدد الجبهات المتوترة المفتوحة يزيد من الضغوط على الدولة المصرية.

كل المخططات تفشل وتسقط أمام مصر والدولة المصرية، العقبة الوحيدة في مخطط تقسيم الإقليم شمالا وجنوبا وشرقا هي الدولة المصرية، مصر هي من تقف حائلًا أمام التهجير القسري للفلسطينيين، وتصفية القضية الفلسطينية.

وموقف مصر الراسخ إنما ينطلق من ثوابت وطنية خالصة تجاه القضية الفلسطينية، وبما يعمل على حماية الأمن القومي المصري وبسط السيادة الوطنية على كل الأراضي المصرية؛ أهمها وأولها وآخرها أرض الفيروز سيناء. لذلك أنا على قناعة تامة من أن دعم مشروع 30 يونيو الوطني هو حماية للأمن القومي المصري بل والعربي أيضا؛ خاصة مع اتضاح الأهداف الإسرائيلية من العدوان على غزة من جعل القطاع غير قابل للحياة وتدميره تمامًا بما يدفع الفلسطينيين للنزوح الإنساني الإجباري، المخطط الإسرائيلي كان قائما وفق العديد من التقارير أبرزها تقرير “غيور إيلاند” تقسيم غزة لخمسة كيانات، وبعدها يتم إخلاء كل كيان بتفريغ سكانه، إمّا للحدود المصرية أو من مدينة إلى أخرى، لكن التدخّل الأمريكي في المشهد غيّر الخطة من تقسيم القطاع لخمسة كيانات إلى كيانين فقط، شمال وجنوب، وأن النازحين صوب الجنوب لن تستوعبهم خان يونس أو رفح، ومن ثم دفعهم مستقبلاً نحو الحدود المصرية وسيناء،

ثم لاحقا تبدأ إسرائيل في احتلال أراضي القطاع لتهويده لاحقاً وطمس هويته العربية، لتصبح لإسرائيل حدود ملاصقة للحدود الشرقية المصرية، وهي رؤية تراود العديد من الإسرائيليين الداعين إلى قتل الفلسطينيين وليس مجرد ترحيلهم فقط من أرضهم، في إطار المخطط الأكبر سيناء، والحلم الأكبر من النيل للفرات. لكن رغبة الاحتلال ومخططه أو ما يطلق عليه إعلاميًّا “صفقة القرن” اصطدمت بالموقف الرافض الصلب للدولة المصرية قيادة وشعباً.

لذلك رغبة بعض القوى الدولية في اتساع رقعة الصراع سواء في السودان أو غزة، أتصور أنها ليست في صالح القوى الدولية خاصة الولايات الأمريكية التي تعاني من تراجع على المستويين الداخلي والعالمي لصالح تحولات عالمية قائمة على تعددية قطبية تشمل كلًا من روسيا، والصين، والهند، وإيران. وهو ما أظهرته بوضوح حالة “الشقاق” في أروقة الخارجية الأمريكية، من أن تستفيد قوى دولية أخرى من الصراع في غزة واستمراره واتساع نطاقه، خاصة لصالح روسيا وإيران، والصين على مستوى السودان. روسيا لن تكون في نفس المعسكر مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. الحليف الرئيسي لإسرائيل هو الولايات المتحدة، العدو الرئيسي لروسيا في الوقت الحالي. وحليفة حماس هي إيران، حليفة روسيا”.

وتتمتع روسيا بعلاقات تزداد قربا مع إيران، التي تدعم حماس، وتتهمها الولايات المتحدة بتزويد روسيا بطائرات مسيرة لاستخدامها في حربها بأوكرانيا التي تخوض حرب استنزاف طاحنة مع روسيا.

هنا علينا أن نكون أكثر وعيا بمحددات المخطط الأكبر من عودة ساحات التنافس القطبي الدولي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا بدلا من أوكرانيا، وإننا ندعم موقف القيادة المصرية لأنها تعلى أولا وأخيرا من المصالح الوطنية المصرية في ضوء استقطاب دولي بالغ الصعوبة، ووجود ذئاب متحفزة دائمًا وأبدًا مثل إسرائيل وإيران.

 

التعليقات متوقفه