ضد التيار ..أمينة النقاش تكتب :تأمل فى تجربة التعدد الحزبى

78

لم يكن حسم الرئيس السادات للصراع الذى نشب على السلطة بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر فى15 مايو عام 1971، وبتخطيط ودعم من محمد حسنين هيكل ، كما اعترف بنفسه بذلك فى حوار منشور له مع أحمد حمروش، إلا إعلانا من السلطة الجديدة، عن تعديل فى علاقات وموازين القوى الاجتماعية التى آلت إليها السلطة الحاكمة الجديدة، داخل المجتمع المصرى وما طرأ على تحلفاتها الخارجية الدولية والإقليمية .وما كان لهذا التغيير أن يحدث بتلك السرعة الهائلة لما أسماه الرئيس السادات ثورة مايو، لو لم تكن مؤسسات رأسمالية الدولة الوطنية العسكرية والسياسية والاقتصادية، التى أرسى قواعدها نظام عبد الناصر، قد أصيبت بتصدع وخلل مع هزيمة يونيو 1967.

وليس من باب الصدف، أن تأتى هزيمة يونيو بعد نحو عام واحد من إعلان الرئيس عبدالناصر فى خطابه فى عيد العمال فى مدينة المحلة عام 1966عن خطة تنمية اقتصادية جديدة لمدة سبع سنوات، وانتقال النظام المصرى إلى نظام اشتراكى . جاء هذا الإعلان بعد نجاح خطة التنمية الخمسية الأولى التى شيدت ألف مصنع وأشركت العمال فى الإدارة وجنى الأرباح ،وساهمت -كما قال فى خطابه -فى سير المجتمع المصرى على طريق سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج بعد تأميمها، لبناء مجتمع الكفاية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص .أما لماذا سبعة أعوام بدلا من خمسة، لأن الخطة الأولى –كما شرح ناصر- تم تنفيذها من أموال الشعب وبجهوده الخارقة وبضغوط معيشية عليه وبتضحيات كبيرة منه، ومد عمر الخطة الثانية سنتين أخريين لأجل تقليل الضغوط الاجتماعية على المواطنين .
كانت التنمية الاقتصادية لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، الشغل الرئيسى لدى الزعيم عبد الناصر منذ الأيام الأولى لقيام الثورة .ووضع عبد الناصر الهم الأول له البحث عن الطرق العلمية والعملية المدروسة دراسة وافية، لرفع مستوى معيشة المواطنين .فتم تأسيس المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى فى النواحى الزراعية والصناعية والتجارية فى أكتوبر1952، وكان قد سبق ذلك فى سبتمر من نفس العام قانون الإصلاح الرزراعى لتحديد نصاب الملكية الزراعية وتقنين حيازتها، وكانت تلك الخطوة الرئيسية للقضاء على سطوة الإقطاع على الريف المصرى .
فى السنوات المتعاقبة، توالت الإجراءات والقوانين التى تستهدف التنمية الاقتصادية القائمة على دراسات وبحوث المتخصصين والخبراء فى المؤسسات الوطنية التى تم إنشاؤها لتلك الأغراض.من هنا جاء إنشاء مجلس قومى دائم للخدمات، يهدف وضع خطط لرفع مستوى الخدمة العامة فى مجالات الصحة والتعليم والمرافق والعمران، وتشجيع الحركة التعاونية بإنشاء قانون الجمعيات التعاونية، وإنشاء المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، لنشر البيانات الموثقة بشأن المشاكل الاجتماعية القائمة، ورصد تطور شكل الجرائم المجتمعية (1955) وإنشاء وزارة التخطيط (1958) ومعهد التخطيط القومى (1960) ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام (1968) وغير ذلك من المؤسسات الرسمية ومراكز الدراسات، التى ساهمت بمد الدولة بالمعلومات والبيانات التى تخدم خططها نحو التنمية الاقتصادية، وانجاح سياسات حفاظها على الأمن القومى والاجتماعى، وإحداث التحولات نحو بناء مجتمع الكفاية والعدل الذى يبنى بالعرق والدم والدموع والتضحيات الجسام، بالمساواة التامة بين مواطنيه فى الحقوق والواجبات .
وبإصدار الرئيس السادات قانون بشأن نظام استثمار رأس المال العربى والاجنبى والمناطق الحرة رقم 43 لسنة ،1974، بشأن نظام استثمار رأس المال العربى والأجنبى والمناطق بدأ التراجع التدريجى عن كل تلك الانجازات التى شيدها المصريون بأموالهم وأرواحهم، فيما بات يسمى سياسات الانفتاح الاقتصادى وإعادة الهيكلة، التى كرست أنماطا مالية وتجارية للاقتصاد الاستهلاكى، الذى فتح أبواب البلاد على مصراعيها، لمغامرين وفاسدين وتجار دين، لنهب البنوك المصرية بقروض مصرفية دون ضمانات، وشراء أراضى الدولة بأسعار تافهة، واستنزاف أموال القطاع العام وشركاته بعد خصصتها وتخسيرها لبيعها بأموال هزيلة، لصالح حفنة من المنتفعين والسماسرة ، ونهب أموال المواطنين فى شركات توظيف الأموال التى مارست نهبها بحماية من الدولة، ومنح امتيازات مالية هائلة للمستشارين وكبار موظفى الدولة لمهام شكلية لا ضرورة عملية لها فى أجهزة السلطة التنفيذية.
وكان من الطبيعى فى ظل تلك الممارسات أن يصبح الاقتصاد المصرى، الذى فقد كل قدراته على بناء تنمية اقتصادية منتجة وعصرية، تابعا ورهينة للغرب الأمريكى والأوروبى ومنظماته المالية المانحة للقروض والمعونات .وفى ظل كل تلك التشوهات، أباح الرئيس السادات فى عام 1976التجربة الحزبية الأولى فى نظام 23يوليو، لضرورات سياسية تتوجه للعالم الغربى الخارجى ومنظماته المالية، أكثر من كونها استجابة لطموحات القوى السياسية فى الداخل لنظام سياسى تعددى حقيقيى .فماذا ياترى فعلت الأحزاب بنفسها خلال 48 من نشأتها؟ الاجابة تحتاج وقفة ثانية.

التعليقات متوقفه