ماجدة موريس تكتب :كل هذا الحب

12

ما حدث بعد فوز الفيلم المصري (رفعت عيني للسما ) بجائزة مهرجان كان الذهبية للفيلم التسجيلي يستحق التوقف أمامه طويلا، فلم تكن الفرحة هي فرحة صناعه فقط، أي فريق العمل والإنتاج والمخرجين أيمن الأمير وندي رياض، ولم تكن الفرحة أيضا هي فرحة البنات الصعيديات عضوات فريق قرية (برشا) اللواتي قمن بالتمثيل والغناء والرقص فيه، وأنما هي فرحة تتعلق بأمور كثيرة أخري مسكوت عنها في مجتمعنا، أولها أن الفن المصري العريق وصاحب التاريخ الكبير ما زال يملأ القلوب والعقول لدي الكثيرين منا، وأقصد به الفن الذي يجمع بين كل الفنون الحركية والصوتية من رقص شعبي وتحطيب مع الغناء والمواويل والتغني بالأعياد والمناسبات الاجتماعية والوطنية وحتي الشخصية، فلكل مناسبة في تاريخ مصر رقصة وأغنية، وربما زي يرتديه الناس، وأننا إذا كنا في العاصمة والمدن الجديدة قد أهملنا هذا التراث فإنه مازال موجودا في الأقاليم والقري، وبالتالي فإن فتيات (البرشا) لجأن اليه لكي يقدموا أوجاعهم من خلال الوسيلة المتاحة لهن، وحيث أتاحت لهم المعرفة بالمسرح وعروضه اقتباس الفكرة، فأصبح الشارع في القرية هو المسرح، وانتقل هذا معهن إلي شوارع القري القريبة، بل أن الفكرة انتقلت لأبناء وبنات تلك القري برغم غضب واحتجاج آباء وأمهات وأجداد ساءهم ان ترفض البنات الزواج المبكر والختان والمعاملات العنيفة أصلا، ثم إعلان هذا الرفض علنا من خلال الفن، فولدت الفرقة الأم (البرشا) فرقا أخري في قري قريبة اكتشفت قيمة وأهمية الاحتجاج بالفن،.وهكذا يأخذنا هذا الفوز الكبير للفيلم إلي فوز اكبر للحياة .

كم فيلم في المخزون؟
لعل من الأمور الملفتة في هذه الموقعة الفنية والثقافية المهمة في مصر، أي فوز الفيلم في مهرجان كان، هو أن الفرحة بهذا الفوز فاقت كل الحدود، ليس من أجل المهرجان الأهم في العالم، وليس من أجل أبطاله الذين لا يعرفهم أحد، ولكن من أجل ما نتغني به دائما بدون ان نعرف تأثيره جيدا وهو قوتنا الناعمة، فالقوة الناعمة هي قوة التاريخ والفن والسلوك الإنساني للتعبير عن كل لحظات الحياة بأسلوب مميز يجمع بين الحقيقة والخيال في قالب غني وجذاب ، وقد قدمت السينما المصرية أعمالا رائعة من قبل تنطبق عليها هذه الصفات، لكن اغلبها لا يعرض، خاصة التسجيلي، ولدينا أسماء لمخرجين ومخرجات قدمن أعمالا لا تنسي مثل سعد نديم وعبد القادر التلمساني وهاشم النحاس وغيرهم ، ومثل عطيات الأبنودي وتهاني راشد وسميحة الغنيمي ونبيهة لطفي وغيرهم، ومن هنا فإن(رفعت عيني للسما ) يضع نفسه في مقدمة مرحلة جديدة من صناعة الفيلم التسجيلي والوثائقي، ومن السينما المعبرة عن تجارب حقيقية للناس في أي موقع ومكان، وأي قرية وبلد، ولهذا فاقت فرحة مواطني قرية البرشا بمدينة ملوي بمحافظة المنيا بهذا الفيلم كل حدودهم، فذهبوا مع أسرة الفيلم إلي البرنامج الذي استضافهم لتحيته (معكم لمني الشاذلي علي قناة اون ) وأرسلوا لنا في كل بيت بمصر رسالة محبة وطلب دعم لمواهبهم، ونحن استجبنا، ولعل هذا الحدث يدعو وزارة الثقافة لكي تنشط في دعم كل موهبة في اي محافظة، ويدعو كل رجل مال أو أعمال لدعم الفن الجميل في أي مكان بهذا البلد الثري بالموهوبين، فبدون محبة الفن، ودعمه بكل الطرق، سنخسر الكثير جدا .

التعليقات متوقفه