د. إبراهيم نوار يكتب :ضحايا التضخم والمديونية في الموازنة الجديدة

132

بقلم د. إبراهيم نوار:

يمثل أصحاب الدخول الثابتة أكبر ضحايا التضخم وسياسات التمويل بالعجز والاستدانة، لأنهم يدفعون ثمن التضخم والمديونية مرتين، مرة عندما تتآكل القوة الشرائية لدخولهم، ومرة عندما تتوسع الحكومة في فرض الضرائب لتسديد أعباء الديون من أقساط وفوائد. الحكومة المدينة لا تحصل على القروض مجانا، ومن ثم فإنها لا يجب أن تحتفل بالتعاقد على قروض جديدة، خصوصا إذا كانت تعلم أن الدافع إلى هذه القروض هو سداد أعباء ديون سابقة، وأنها ليست التي تسددها، وإنما يسددها المكلفون بدفع الضرائب الأحياء منهم والذين لم يولدوا بعد.
ويبلغ عدد العاملين في أجهزة الحكومة العامة حاليا (حسب الجهاز المركزي للإحصاء) نحو 5 ملايين شخص، نزولا من 5.9 مليون في عام 2015 بنسبة انخفاض تعادل 15% تقريبا. أما عدد أصحاب المعاشات فيبلغ نحو 11.5 مليون شخص (حسب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي). أي أن مجموع العاملين بالحكومة وأصحاب المعاشات يصل إلى نحو 16.5 مليون شخص. وبافتراض أن معدل الإعالة يبلغ في المتوسط أربعة أشخاص، فإن عدد المستفيدين من الرواتب والمعاشات الحكومية يصل إلى 66 مليون شخص، ما يزيد على 60% من السكان. هذا يعني أن الدخل الثابت يمثل حقيقة أساسية من حقائق الدخل والإنفاق والاستهلاك في مصر.
تدهور نصيب الأجور من الناتج
من الطبيعي أن تزيد القيمة الإسمية لمخصصات الأجور والتعويضات والمزايا للعاملين عاما بعد عام، لكن هذه الزيادة قد تكون وهمية إذا جاءت بنسبة أقل من معدل التضخم، أو إذا قابلتها ضرائب ورسوم جديدة أو زيادات ضريبية بمعدلات تتجاوز الزيادة في الأجور. العبرة إذن ليست بالزيادة الإسمية ولكن بالزيادة الصافية الحقيقية. وتبلغ مخصصات الأجور في السنة المالية الجديدة 575 مليار جنيه تعادل 15.2% من المصروفات العامة، مقابل 470 مليار جنيه تعادل 15.7% من المصروفات العامة في السنة المالية الحالية. وهو ما يعني أن نصيب الأجور من المصروفات العامة للدولة قد انخفض بمقدار نصف نقطة مئوية. كذلك فإن نصيب الأجور من الناتج المحلي في السنة المالية الجديدة يقل بمقدار 0.6 نقطة مئوية، إذ أنه يعادل 3.4% من الناتج مقابل 4% في السنة الحالية. ومع أن وزارة المالية تتوقع تراجع نصيب الأجور من الناتج في ختامي السنة الحالية إلى 3.5% فقط، فإنه يظل أفضل من تقدير موازنة السنة القادمة.
ويبين تحليل أرقام الأجور تدهور علاقتها بالناتج المحلي الإجمالي سنويا منذ السنة المالية 2013/2014 حتى الآن. ففي تلك السنة بلغت قيمة الأجور 187.6 مليار جنيه بنسبة 8.5% من الناتج، ثم أخذ نصيب الأجور في التدهور سنة بعد سنة ليبلغ 4.5% في السنة المالية 21/22 ومن المتوقع أن يواصل الهبوط في السنة المالية الحالية إلى نحو 3.5% ثم إلى 3.4% في السنة الجديدة، على الرغم من الزيادات الإسمية في الأجور على مدار السنوات الماضية، بما فيها الزيادات الاستثنائية في السنة المالية الحالية، التي أسفرت عن رفع مخصصات الأجور من 470 مليار جنيه في قانون الميزانية إلى 494 مليون بنسبة زيادة تبلغ 19.7% عن السنة المالية السابقة. لكننا إذا أخذنا في الاعتبار أن مبرر زيادة الأجور كان الحاجة إلى تعويض العاملين عن ارتفاع الأسعار، بسبب تغيير سعر الصرف ونقص السلع وارتفاع معدل التضخم، فإن هذا التعويض يغطي فقط نسبة 55% من الزيادة في معدل التضخم، الذي قفز بنسبة 35.7% تقريبا على مدار السنة المالية. ومن هنا فإن الزيادة فقدت قيمتها، لأن القيمة الشرائية الحقيقية للأجور حتى بعد الزيادة تقل بنسبة 45% عما كانت عليه.
تدهور تحت المتوسط العالمي.
لا يخضع الملايين من أصحاب الدخول الثابتة لتهديد التضخم فقط، وإنما يخضعون أيضا لتهديد سياسة مالية تتبناها الحكومة عن عمد، تستهدف تخفيض نصيب الأجور وزيادة الضرائب بما يعادل 1% من الناتج المحلي سنويا. هذه السياسة هي نتاج عقلية صناع السياسة المالية بعد مناقشات مبكرة مع صندوق النقد الدولي قبل عام 2016 لزيادة الإيرادات العامة للدولة بنسبة 1% سنويا بهدف تخفيض العجز المالي. وفي سياق هذه السياسة تتبنى الدولة تحصيل هذه الزيادة من مصدرين، الأول هو تخفيض حصة الأجور من الناتج بالحد من التوظف، والثاني هو زيادة حصيلة الضرائب. ونتيجة لهذه السياسة فإن نصيب الأجور من الناتج المحلي الإجمالي في مصر أصبح واحدا من أقل المعدلات على مستوى العالم. ففي عام 2014 بلغ نصيب الأجور في مصر 8.49% من الناتج، مقابل متوسط عالمي بلغ 8.29% (البنك الدولي). لكن الصورة اختلفت تماما في عام 2020، إذ هبط نصيب الأجور في مصر إلى 5% فقط من الناتج مقابل متوسط عالمي يبلغ 8.13% مع تحقيق معدلات أعلى في دول مثل البرازيل بنسبة 10.65% وفيتنام بنسبة 9% وتشيلي بنسبة 7.38%. وطبقا لمشروع الموازنة الجديدة فإن حصة الأجور في مصر ستهبط إلى 3.4% من الناتج، أي ما يعادل أقل من نصف ما كان عليه قبل عشر سنوات، بنسبة 41% تقريبا.

 

التعليقات متوقفه